إدرا نوفي تعيد اكتشاف جبال بنسلفانيا على دروب الأبلاش
إدرا نوفي تمزج بين السرد والطبيعة في رحلة عبر الأبلاش
في وقت تتزايد فيه شعبية سياحة المشي الطويل والرحلات البطيئة حول العالم، برز اسم الروائية والشاعرة والمترجمة الأمريكية إدرا نوفي في مادة جديدة تستعيد من خلالها علاقتها القديمة بمسارات بنسلفانيا الجبلية، وبالتحديد في نطاق مرتفعات أليغيني ضمن الإقليم الأوسع لسلسلة جبال الأبلاش. وتأتي أهمية هذا النوع من الكتابة من قدرته على تحويل الدرب الطبيعي من مجرد وجهة خارجية إلى مساحة للذاكرة والحكايات الشخصية والتاريخ المحلي.
نوفي ليست مجرد كاتبة تتأمل المناظر من بعيد؛ فهي ابنة غرب بنسلفانيا، وتعرف جيدًا التضاريس والبلدات الصغيرة التي تشكل وجدان هذه المنطقة. ووفق سيرتها الرسمية، فهي روائية وشاعرة ومترجمة، وكان أحدث أعمالها الروائية Take What You Need من الكتب البارزة في 2023، كما تعمل في برنامج الكتابة الإبداعية بجامعة برينستون. هذا الخلفية تفسر لماذا تبدو قراءتها لمسارات الأبلاش مختلفة: فهي تنظر إلى الطريق بوصفه نصًا مفتوحًا، لا مجرد تجربة رياضية أو نزهة في الهواء الطلق.
ما الذي يميز مرتفعات أليغيني؟
حين يرد اسم الأبلاش في الإعلام الثقافي أو السياحي، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى الولايات الجنوبية أو إلى المسار الشهير الطويل Appalachian Trail. لكن بنسلفانيا تحتفظ هي الأخرى بمشهد جبلي وغابي واسع يندرج ضمن هذا العالم الطبيعي الأقدم في أمريكا الشمالية. ووفق Appalachian Regional Commission، تمتد منطقة الأبلاش عبر 13 ولاية وتضم 423 مقاطعة، ويعيش فيها نحو 26.6 مليون نسمة، ما يجعلها أكثر من مجرد سلسلة جبال؛ إنها نطاق ثقافي واجتماعي كامل.
داخل هذا المشهد، تبرز مرتفعات لوريل ومرتفعات أليغيني في بنسلفانيا كمناطق مشهورة برياضات المشي، والغابات الكثيفة، والوديان والمياه الجارية، فضلًا عن ارتباطها بتاريخ صناعي وسكاني طويل. وتصف الجهات الرسمية في الولاية منطقة Laurel Highlands بأنها واحدة من أبرز الكنوز الطبيعية في بنسلفانيا، بما تملكه من موارد طبيعية ومناظر جبلية وأصول تاريخية وثقافية تجعلها مؤهلة بقوة للسياحة المستدامة.
دروب طويلة وحكايات متراكمة
من أبرز المسارات التي تمنح القارئ صورة أقرب إلى طبيعة هذه المنطقة Laurel Highlands Hiking Trail، وهو مسار معروف تديره سلطات الحفاظ على الطبيعة في بنسلفانيا. وتؤكد المصادر الرسمية أنه يشكل جزءًا مهمًا من شبكة Potomac Heritage National Scenic Trail، بينما تمر أجزاء من الإقليم أيضًا بمحور Great Allegheny Passage الذي يمتد لمسافة تقارب 150 ميلًا بين كمبرلاند ومحيط بيتسبرغ، ويُستخدم للمشي وركوب الدراجات.
كما تشير هيئة الغابات الأمريكية إلى أن Allegheny National Forest توفر أكثر من 200 ميل من مسارات المشي، إلى جانب مسارات أخرى للتزلج الريفي والمشي التفسيري. هذه الأرقام توضح أن الحديث هنا ليس عن طريق واحد أو نقطة مشاهدة منفردة، بل عن شبكة واسعة من البيئات الطبيعية التي تسمح بتجارب متفاوتة: من رحلة يوم واحد إلى مغامرات تمتد عدة أيام عبر الغابات.
هذا العمق الجغرافي هو ما يمنح كتابة نوفي معنى إضافيًا. فالمشي في هذه الأنحاء لا يمر فقط عبر أشجار وصخور، بل عبر طبقات من القصص: بلدات نشأت حول الفحم والخشب والسكك الحديدية، مجتمعات صغيرة عاشت التحولات الاقتصادية القاسية، وعائلات تحتفظ بصلات عاطفية شديدة بالمكان حتى بعد مغادرته.
لماذا يهم هذا النوع من القصص للقارئ العربي؟
قد تبدو بنسلفانيا بعيدة جغرافيًا عن القارئ في مصر، لكن قيمة القصة لا تكمن في المسافة وحدها. ففي العالم العربي أيضًا، تعود السياحة الثقافية والطبيعية إلى الواجهة، مع اهتمام متزايد بفكرة السفر عبر السرد، أي قراءة الأماكن من خلال أدبها وذاكرتها، لا من خلال الصور الترويجية فقط. ومن هنا يمكن النظر إلى تجربة نوفي باعتبارها نموذجًا عالميًا لكيفية إعادة تقديم المناطق الجبلية الأقل صخبًا للقراء والمسافرين.
هذا مهم خصوصًا لجمهور يبحث عن محتوى أعمق من القوائم السريعة والنصائح الاستهلاكية. فالمادة التي تنطلق من المشي في الطبيعة ثم تتسع لتشمل الهوية والانتماء والذاكرة، تضع الوجهة في إطار إنساني يمكن أن يتقاطع مع تجارب كثيرة في منطقتنا، من الواحات والجبال إلى المدن الصغيرة التي تعيش خارج بؤرة السياحة التقليدية.
إدرا نوفي: كاتبة من المكان لا عنه فقط
بحسب موقعها الرسمي، نشأت إدرا نوفي في غرب بنسلفانيا، وهو ما يفسر النبرة الشخصية في تناولها للمنطقة. كما أن روايتها Take What You Need، الصادرة في 2023، وُصفت بأنها من أكثر أعمالها اقترابًا من التجربة الأمريكية المحلية. وتكشف هذه الخلفية عن نقطة مهمة: حين تكتب نوفي عن دروب الأبلاش، فهي لا تقدم دليلًا سياحيًا بالمعنى التقليدي، بل تستدعي جغرافيا ترتبط بتكوينها الشخصي والأدبي.
وهنا يكمن الفارق بين النص الرحلي الجيد والمادة الترويجية المباشرة. الأول يخلق صلة بين القارئ والمكان عبر التفاصيل الإنسانية، بينما يكتفي الثاني بعرض المشاهد والأنشطة. لذلك تبدو العودة إلى مسارات بنسلفانيا في حالة نوفي نوعًا من إعادة التفاوض مع الماضي: كيف يتغير معنى الطريق حين نعود إليه أكبر سنًا؟ وكيف يصبح المشي وسيلة لفهم ما بقي وما تبدل؟
ماذا يمكن أن يتوقعه الزائر في هذه المنطقة؟
الجهات السياحية والرسمية في بنسلفانيا تروّج للمنطقة بوصفها وجهة مناسبة لعشاق الطبيعة على مدار العام، مع مسارات تمر بالغابات الناضجة، وشلالات، ومناطق مرتفعة، وامتدادات تربط بين مواقع تاريخية وطبيعية. وفي Ohiopyle مثلًا، تشير المعلومات المحلية إلى وجود عشرات الأميال من المسارات ذات المشاهد المتنوعة، بينما يظل Great Allegheny Passage خيارًا شائعًا للباحثين عن تجربة أكثر هدوءًا وانسيابية من مسارات الجبال الوعرة.
- المشي الطويل: مناسب للزوار الذين يبحثون عن مسارات تمتد ليوم كامل أو أكثر.
- المشهد الغابي: المنطقة معروفة بالغابات الكثيفة ومسارات الظل والهواء البارد نسبيًا.
- العمق الثقافي: القرى والبلدات المحيطة تضيف بعدًا تاريخيًا يتجاوز الطبيعة الخام.
- السياحة المستدامة: المؤسسات الرسمية في الولاية تضع هذا الإقليم ضمن أولويات التنمية السياحية المرتبطة بالموارد الطبيعية.
الأدب كدليل سفر مختلف
قصة إدرا نوفي مع دروب الأبلاش تذكّرنا بأن أفضل أدب الرحلات اليوم لم يعد ذلك الذي يكتفي بوصف الطريق، بل الذي يفكك علاقتنا بالأماكن. فالممرات الجبلية في بنسلفانيا، مهما بدت بعيدة عن القارئ في القاهرة أو الإسكندرية، تصبح أكثر قربًا عندما تُروى من زاوية الذاكرة الشخصية والتاريخ الاجتماعي.
وفي هذا المعنى، لا تقدم نوفي مجرد جولة في الطبيعة الأمريكية، بل تقترح طريقة أخرى لرؤية السفر نفسه: أن يكون المشي قراءة، وأن تصبح الغابة أرشيفًا، وأن يحمل كل منعطف حكاية قديمة وأخرى جديدة. بالنسبة لقراء القسم المعني بتغطيات الخارج، تظل هذه المقاربة جديرة بالاهتمام لأنها تتناول إقليمًا واسعًا من العالم من بوابة الثقافة والإنسان، لا من بوابة الصورة الجاهزة وحدها.