YallaTravel

الإسكندرية.. لماذا تبدو المدينة المصرية الأقرب إلى أوروبا؟

الإسكندرية.. مدينة مصرية تحمل ملامح متوسطية أوروبية

ليست المقارنة بين الإسكندرية وبعض مدن أوروبا مجرد انطباع عابر لدى الزائرين، بل ترتبط بتاريخ طويل صنع هوية عمرانية وثقافية مختلفة داخل مصر. فالمدينة الواقعة على البحر المتوسط احتفظت عبر قرون بطابع كوزموبوليتاني واضح، تشكّل من تداخل الحضارات المصرية واليونانية والرومانية ثم التأثيرات الإيطالية والفرنسية واليونانية الأحدث، وهو ما يفسر لماذا يشعر كثير من السائحين والرحالة بأنهم أمام مدينة عربية بروح متوسطية غربية مميزة.

هذا الانطباع عاد للواجهة بعد تداول تجربة الرحّالة الفلسطينية الأردنية أسيل عواد، التي لفتت الأنظار إلى التشابه البصري بين الإسكندرية وبعض المدن الأوروبية، خاصة في تفاصيل الواجهات القديمة، والكباري، والقصور، وشريط الكورنيش المفتوح على البحر. وبينما يختلف الوصف من شخص إلى آخر، فإن الحقائق التاريخية على الأرض تؤكد أن للإسكندرية خصوصية عمرانية لا تشبه كثيرًا أي مدينة مصرية أخرى.

ما سر الطابع الأوروبي في الإسكندرية؟

السر الأول يرتبط بالموقع. فالإسكندرية كانت عبر تاريخها بوابة مصر على المتوسط، وميناءً رئيسيًا للتجارة والهجرة والتبادل الثقافي. وبحسب المواد التعريفية الصادرة عن محافظة الإسكندرية، فإن المدينة عرفت تراكبًا حضاريًا كبيرًا بين الشرق والغرب، ومع ازدياد وجود الجاليات الأجنبية فيها خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، نشطت المدارس والقنصليات والبيوت التجارية، وانعكس ذلك مباشرة على عمرانها وشكل أحيائها القديمة.

السر الثاني هو العمارة نفسها. في مناطق مثل محطة الرمل، والمنشية، وسعد زغلول، وفؤاد، لا تزال مبانٍ تاريخية تحمل سمات نيوكلاسيكية ومتوسطية واضحة، مع شرفات واسعة، وزخارف أوروبية، وواجهات تستلهم طرزًا إيطالية ويونانية. كما يظهر هذا التأثير أيضًا في بعض قصور المدينة التاريخية، وعلى رأسها قصر المنتزه، الذي تؤكد محافظة الإسكندرية أنه بُني على الطراز الفلورنسي الإيطالي داخل حدائق المنتزه الملكية الممتدة على مساحة 370 فدانًا.

المنتزه.. نموذج واضح للتمازج المعماري

عند الحديث عن الإسكندرية ذات الملامح الأوروبية، يصعب تجاوز منطقة المنتزه. فهذه البقعة ليست مجرد متنزه بحري شهير لدى المصريين، بل واجهة معمارية وتاريخية مهمة شرق المدينة. ووفق البيانات المنشورة على الموقع الرسمي لمحافظة الإسكندرية، تضم حدائق المنتزه قصر المنتزه الملكي الرئيسي المبني على الطراز الفلورنسي الإيطالي، إلى جانب قصر السلاملك الذي تحول إلى فندق، فضلًا عن الحدائق والشواطئ والممرات المفتوحة على خليج المنتزه.

ولهذا السبب تحديدًا تبدو بعض لقطات المنتزه، خاصة القصور والجسور والمسطحات الخضراء القريبة من البحر، أقرب بصريًا إلى منتجعات البحر المتوسط الأوروبية منها إلى الصورة النمطية المعروفة عن المدن الساحلية العربية.

من المتحف اليوناني الروماني إلى مكتبة الإسكندرية

إذا كانت العمارة تمنح الإسكندرية شكلها الأوروبي، فإن التاريخ يمنحها تفسيره العميق. فالإسكندرية ليست مدينة ذات واجهات جميلة فقط، بل واحدة من أهم الحواضر المتوسطية القديمة. ومن أبرز الشواهد على ذلك المتحف اليوناني الروماني، الذي تؤكد وزارة السياحة والآثار أنه أقدم مبنى في مصر صُمم خصيصًا لحفظ وعرض الآثار، وهو أيضًا المتحف الوحيد المتخصص في آثار وحضارة مصر خلال العصرين اليوناني والروماني.

وبحسب الوزارة، بدأت فكرة المتحف عام 1889 على يد الإيطالي جيوسيبي بوتي، ثم افتُتح أول مقر له عام 1892، قبل افتتاح المبنى الحالي في 26 سبتمبر 1895 بعد تصميمه بطراز نيوكلاسيكي. كما أُعيد تطويره على مراحل، قبل أن يُعاد افتتاحه رسميًا في أكتوبر 2023 بعد مشروع ترميم وتطوير طويل. وتوضح الوزارة أن مواعيد الزيارة الحالية تمتد من الأحد إلى الخميس من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، ومن الجمعة إلى السبت حتى الثامنة مساءً، بينما تبلغ أسعار التذاكر للمصريين 40 جنيهًا للكبار و20 جنيهًا للطلاب.

وجود هذا المتحف في قلب الإسكندرية ليس تفصيلًا ثانويًا، بل دليل مباشر على عمق الصلة التاريخية بين المدينة والعالمين اليوناني والروماني، وهي صلة تظهر أيضًا في مواقع أخرى، مثل المسرح الروماني، والآثار الغارقة، وأحياء كاملة ارتبطت عبر الزمن بالجاليات الأجنبية والأنشطة التجارية والثقافية الوافدة.

وفي السياق نفسه، تظل مكتبة الإسكندرية (@bibalexofficial على إنستغرام) أحد أبرز رموز المدينة الحديثة. فالمكتبة ليست فقط صرحًا ثقافيًا معاصرًا، بل امتدادًا رمزيًا لذاكرة الإسكندرية بوصفها مدينة معرفة وتبادل حضاري. ويظهر على الموقع الرسمي للمكتبة أنها تضم أربعة متاحف رئيسية، إلى جانب مراكز بحثية متخصصة، بينما تستقبل الزيارات والمتاحف من الاثنين إلى الخميس من 9:30 صباحًا حتى 5:00 مساءً، ومن السبت إلى الأحد من 10:00 صباحًا حتى 2:00 ظهرًا.

لماذا يصفها البعض بأنها مدينة «متوسطية» أكثر من كونها مجرد مدينة شاطئية؟

السبب أن تجربة الإسكندرية لا تختزل في البحر وحده. صحيح أن الكورنيش والشواطئ عنصران أساسيان في سحرها، لكن المدينة تقدّم أيضًا طبقات متراكبة من التاريخ والعمارة والثقافة. هنا يمكن للزائر أن يبدأ يومه بين مبانٍ تراثية في وسط البلد، ثم يمر على متحف متخصص في الحضارة اليونانية الرومانية، وينهي الجولة على البحر عند قلعة قايتباي.

وتُعد قلعة قايتباي من أهم محطات هذه الصورة. فوزارة السياحة والآثار تؤكد أن القلعة شُيدت بين عامي 1477 و1479 على أنقاض فنار الإسكندرية القديم لحماية المدينة من الهجمات البحرية. ورغم أنها أثر إسلامي مملوكي بامتياز، فإن موقعها في أقصى اللسان البحري، مع المشهد المفتوح على المتوسط، يعزّز إحساس الزائر بأن الإسكندرية مدينة صنعتها حركة البحر والتاريخ معًا.

ملامح تجعل الإسكندرية مختلفة عن أي مدينة أخرى في مصر

  • تاريخ متعدد الطبقات: فرعوني ويوناني وروماني وقبطي وإسلامي وحديث.
  • عمارة متوسطية مميزة: شرفات، واجهات زخرفية، وقصور بطرازات أوروبية مختلفة.
  • مؤسسات ثقافية كبرى: مثل مكتبة الإسكندرية والمتحف اليوناني الروماني.
  • مواقع ساحلية تاريخية: من الكورنيش إلى قلعة قايتباي وحدائق المنتزه.
  • حضور أجنبي قديم: ترك بصمة واضحة في النسيج العمراني والاجتماعي للمدينة.

هل الإسكندرية تشبه أوروبا فعلًا؟

الإجابة الأدق: الإسكندرية لا تُشبه أوروبا بقدر ما تعكس تاريخًا متوسطيًا مشتركًا جعلها قريبة بصريًا وثقافيًا من مدن الضفة الشمالية للبحر. فهي مدينة مصرية خالصة في وجدانها الشعبي ولهجتها ومطبخها وإيقاعها اليومي، لكنها في الوقت نفسه تحتفظ بواجهات ومشاهد عمرانية تجعل المقارنة بأوروبا مفهومة ومبررة.

ولذلك، فإن سر جاذبيتها لا يكمن في أنها «نسخة» من مدينة أوروبية، بل في كونها مدينة مصرية صنعت لنفسها هوية خاصة عند نقطة التقاء الشرق بالغرب. من هنا يأتي سحرها الحقيقي: شوارع تحمل أثر البحر، وعمارة تتحدث بلغات متعددة، وتاريخ لا يزال ظاهرًا في المتحف والواجهة البحرية والقصور والميادين القديمة.

بالنسبة للقارئ المصري، ربما تكون هذه هي أفضل طريقة لرؤية الإسكندرية من جديد: ليس فقط كمصيف محبوب أو مدينة للذكريات، بل كواحدة من أكثر مدن مصر تفردًا من حيث الطابع العمراني والثقافي، ووجهة محلية قادرة دائمًا على إبهار الزائر حتى لو ظن أنه يعرفها جيدًا.