الرياض تراهن على التراث لصناعة سياحة التجارب
التراث والمجتمع في صدارة نقاش السياحة السعودية
تسعى السعودية إلى ترسيخ نموذج مختلف في صناعة السفر، يقوم على سياحة التجارب لا الاكتفاء بزيادة أعداد الزوار فقط. هذا التوجه ظهر بوضوح في WTM Spotlight Riyadh، الحدث المتخصص التابع لمحفظة World Travel Market، الذي تستضيفه الرياض خلال الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر 2026 في مركز واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات. وبحسب المنظمين، يجمع الحدث صناع القرار والمشترين والشركات لمناقشة مستقبل السياحة السعودية من زاوية أعمق: كيف تصبح الثقافة المحلية، والهوية، والمجتمعات، أساساً للتجربة السياحية نفسها.
الفكرة الأساسية التي طُرحت في جلسات الحدث لا تتعلق ببناء وجهات جديدة فحسب، بل بكيفية تطوير هذه الوجهات انطلاقاً من الناس الذين يعيشون فيها، ومن القصص التي تحملها الأماكن، ومن التراث الذي يمنح كل منطقة شخصيتها. هذا المنطق ينسجم مع التحول الأوسع في السوق العالمية، حيث بات السائح يبحث عن تجربة أصيلة يمكن تذكّرها، لا مجرد إقامة فندقية أو برنامج ترفيهي سريع.
لماذا تركز السعودية على “اقتصاد التجربة”؟
الرهان السعودي يبدو منطقياً إذا نظرنا إلى الأرقام. مجلس السفر والسياحة العالمي WTTC قدّر أن قطاع السفر والسياحة في المملكة سيضخ نحو 447.2 مليار ريال سعودي في الاقتصاد خلال 2025، بما يتجاوز 10% من الناتج المحلي الإجمالي، مع توقع وصول الوظائف المدعومة بالقطاع إلى 2.7 مليون وظيفة. كما أظهرت بيانات إقليمية للمجلس أن السعودية شكّلت نحو 178 مليار دولار من اقتصاد السفر والسياحة في الشرق الأوسط خلال 2025، بما يعادل 46% من إجمالي القطاع إقليمياً.
هذه الأرقام تفسر لماذا لم يعد النقاش السعودي يدور فقط حول زيادة الطاقة الاستيعابية للفنادق أو الرحلات الجوية، بل حول نوعية المنتج السياحي نفسه. بالنسبة للقارئ المصري، يمكن فهم المشهد على أنه انتقال من تسويق “الموقع” إلى تسويق “التجربة الكاملة”: ماذا سيرى الزائر؟ من سيقابله؟ وما الحكاية التي سيعود بها؟
جلسات الحدث: من القرى إلى سلاسل القيمة
الأجندة الرسمية لـ WTM Spotlight Riyadh أظهرت أن ملف السياحة المجتمعية في صلب المناقشات. إحدى الجلسات التي أُعلن عنها جاءت تحت عنوان يقارب فكرة “من القرى إلى سلاسل القيمة: تصميم السياحة المجتمعية”، بالتعاون مع الأمم المتحدة للسياحة UN Tourism، وتركز على كيفية تحويل التجارب المحلية إلى قيمة اقتصادية مستدامة مع الحفاظ على الثقافة والطبيعة ورفع جودة الحياة في المناطق المستضيفة.
ومن بين الأسماء الواردة في البرنامج سمر الخراشي، مدير المكتب الإقليمي للشرق الأوسط في UN Tourism، إلى جانب محمد المنديل، المدير العام لفعاليات وبرامج التراث في وزارة الثقافة السعودية. ويشير وجود هذه الأسماء إلى أن النقاش لا يُدار من زاوية ترويجية فقط، بل يضم مؤسسات معنية بالتنمية الثقافية والريفية والاستدامة.
الدرعية مثال حي على تحويل التراث إلى تجربة قابلة للزيارة
إذا كان لا بد من مثال واحد يشرح الفكرة عملياً، فسيكون حي الطريف في الدرعية. هذا الموقع، الذي يبرز كثيراً في الخطاب السياحي السعودي، أُدرج على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2010، ويُعد المهد التاريخي للدولة السعودية الأولى. وتصفه الجهات الرسمية السعودية بأنه قلب الدرعية التاريخي، بما يضمه من عمارة طينية نجدية ومعالم بارزة مثل قصر سلوى.
اللافت هنا أن القيمة السياحية لحي الطريف لا تنبع من كونه أثراً فقط، بل من طريقة تقديمه للزائر: جولات، مسارات، متاحف، وبرامج تربط المكان بالسردية التاريخية الأوسع. ووفق موقع الدرعية الرسمي، يستقبل الموقع أكثر من مليون زائر سنوياً ويضم 6 متاحف. كما تتيح الجهة المشغلة للزوار التقاط الصور للاستخدام الشخصي، وتشجع على الإشارة إلى Visit Diriyah (@visitdiriyah على إنستغرام) عند النشر، في دلالة على أن الموقع بات جزءاً من مشهد التجربة الثقافية القابلة للمشاركة رقمياً.
من التراث إلى العائد الاقتصادي
الرسالة التي يروج لها المسؤولون والمنظمون واضحة: حين يُصمَّم المنتج السياحي انطلاقاً من التراث المحلي، فإن العائد لا يذهب فقط إلى شركات كبرى أو مشروعات ضخمة، بل يمكن أن يمتد إلى الحرفيين، والمرشدين، والمطاعم المحلية، والفعاليات الثقافية، وسلاسل الإمداد المحيطة بالموقع. هذا ما يجعل الحديث عن المجتمعات المحلية في مؤتمر سياحي أمراً عملياً، لا شعاراً عاماً.
وفي السعودية، يتقاطع هذا المسار مع رؤية 2030 التي وضعت السياحة ضمن محركات التنويع الاقتصادي. وكانت الأمم المتحدة للسياحة قد أشادت في فبراير 2024 بوصول المملكة إلى 100 مليون سائح قبل الموعد المستهدف، معتبرة ذلك علامة فارقة في مسار نمو القطاع. ثم جاءت بيانات وزارة السياحة السعودية في تقريرها الإحصائي السنوي لعام 2025 لتعلن تسجيل 304 مليارات ريال كإجمالي إنفاق سياحي، وهو رقم قياسي جديد.
ما الذي يعنيه ذلك إقليمياً؟
بالنسبة للمنطقة العربية، وخصوصاً من منظور مصري، تبرز التجربة السعودية كجزء من سباق أوسع لإعادة تعريف السياحة في الشرق الأوسط. المنافسة لم تعد فقط على الشواطئ أو التسوق أو الفعاليات الكبرى، بل على الهوية القابلة للتحول إلى تجربة معيشة. من هنا تأتي أهمية التركيز على القرى، والموروث غير المادي، والمواقع التاريخية، والمأكولات، وأنماط الحياة المحلية.
هذا النوع من التحول يهم القارئ في مصر لسببين: أولاً لأنه يكشف أين تتجه استثمارات السياحة في المنطقة، وثانياً لأنه يعكس تغيراً في تفضيلات المسافرين العرب والدوليين على السواء. السائح اليوم يريد أن يشعر بأنه دخل مكاناً له ذاكرة وروح، لا نسخة متكررة من وجهة عالمية مألوفة.
التحدي الحقيقي: الأصالة تحت ضغط التوسع
مع كل هذا الزخم، يبقى التحدي الأكبر في كيفية الحفاظ على التوازن بين التوسع التجاري والأصالة الثقافية. فنجاح سياحة التجارب لا يقاس فقط بعدد التذاكر المباعة، بل بقدرة الوجهة على حماية قصتها الأصلية، وعدم تحويل التراث إلى خلفية شكلية خالية من المعنى. لهذا تبدو مشاركة مؤسسات مثل UN Tourism ووزارة الثقافة السعودية في هذه المناقشات ذات دلالة مهمة، لأنها تربط النمو بمعايير الاستدامة والحفاظ على الهوية.
كما أن إدراج التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ضمن أجندة المؤتمر يوضح أن السعودية لا ترى تعارضاً بين الحداثة والتراث، بل تحاول الجمع بينهما: أدوات رقمية لتخطيط الرحلات وتخصيص التوصيات، ومحتوى محلي يمنح الرحلة معناها. هذا المزيج قد يكون، إذا نُفذ بعناية، أحد أبرز ملامح المرحلة المقبلة في السياحة الإقليمية.
خلاصة المشهد
ما يجري في WTM Spotlight Riyadh يتجاوز حدود مؤتمر مهني عابر. إنه يعكس توجهاً سعودياً أوسع يريد أن يجعل المجتمع المحلي والتراث والثقافة في قلب المنتج السياحي، لا على هامشه. ومع نمو الإنفاق السياحي، واتساع الحضور الدولي، وصعود مواقع مثل حي الطريف في الدرعية كرموز لهذا التحول، تبدو المملكة وكأنها تحاول بناء معيار جديد في المنطقة: سياحة حديثة في أدواتها، لكنها متجذرة في المكان والناس والتاريخ.
- موعد الحدث: 8 - 10 سبتمبر 2026
- المكان: مركز واجهة الرياض للمعارض والمؤتمرات
- المحور الأبرز: المجتمعات المحلية والتراث في قلب سياحة التجارب
- النموذج الأوضح: حي الطريف في الدرعية، المدرج على قائمة اليونسكو منذ 2010
- أحدث الأرقام: 304 مليارات ريال إنفاق سياحي في السعودية خلال 2025