المنتزه بالإسكندرية.. كيف تحوّل المصيف الملكي إلى مقصد عام؟
المنتزه بالإسكندرية.. عنوان ملكي صار مفتوحًا للجمهور
في شرق الإسكندرية، وعلى امتداد يطل على البحر المتوسط، تقف منطقة المنتزه بوصفها واحدة من أكثر الأماكن التي تختصر تحولات المدينة عبر أكثر من قرن. ما بدأ كمقر صيفي للأسرة العلوية في أواخر القرن التاسع عشر، أصبح اليوم مقصدًا سياحيًا معروفًا لزوار الإسكندرية من داخل مصر وخارجها، بفضل ما يجمعه من قصور تاريخية وحدائق واسعة وشواطئ وممرات تطل على البحر.
المنتزه ليس مجرد حديقة عامة أو قصر قديم؛ بل هو مساحة تحمل في تفاصيلها تاريخ الحكم الملكي في مصر، وتطوّر الذوق المعماري الأوروبي في القصور الساحلية، ثم انتقال هذه المساحة تدريجيًا إلى المجال العام كجزء من المشهد السياحي لمدينة الإسكندرية. وتشير بيانات الهيئة العامة للاستعلامات إلى أن حدائق المنتزه تمتد على نحو 370 فدانًا في حي المنتزه شرق المدينة، وتضم أشجارًا عتيقة وأحواض زهور ومرافق ترفيهية وشواطئ مطلة على خليج المنتزه.
البداية مع الخديوي عباس حلمي الثاني
ترجع نشأة المنتزه إلى عام 1892 في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني، حين وقع الاختيار على الموقع ليكون مصيفًا للأسرة الحاكمة. ووفق المعلومات المنشورة من الهيئة العامة للاستعلامات، كان المكان يضم تبتين، أقيم على إحداهما قصر السلاملك ليكون مقرًا صيفيًا للأسرة المالكة، ثم عُرفت المنطقة كلها لاحقًا باسم المنتزه.
اختيار هذا الموقع لم يكن عشوائيًا؛ فالمكان يجمع بين ارتفاع نسبي يتيح إطلالة مفتوحة على البحر، ومساحات خضراء واسعة، ومناخ ساحلي ألطف من كثير من مناطق الداخل المصري خلال الصيف. ولهذا ارتبط اسم المنتزه طويلًا بفكرة “المصيف الملكي”، قبل أن يتسع معناه ليشمل واحدة من أشهر نزهات الإسكندرية.
قصر السلاملك.. من مقر للضيافة إلى استخدام سياحي
يُعد قصر السلاملك من أقدم مباني سراي المنتزه، وقد ارتبط في بدايته بإقامة الأسرة المالكة واستقبال الضيوف وكبار الزائرين، ثم تغيّرت وظائفه عبر العقود. وتشير مصادر رسمية ومحلية إلى أن القصر استُخدم لاحقًا في أغراض ضيافة وسياحة، وهو ما يعكس كيف أعيد توظيف المباني الملكية داخل المنتزه بدل بقائها معزولة عن الحركة العامة في المدينة.
وتبقى أهمية السلاملك في كونه شاهدًا على المرحلة الأولى من تشكيل المنتزه، قبل أن يتوسع المجمع المعماري بإضافة قصر آخر أصبح الأشهر بصريًا في ذاكرة الزائرين: الحرملك.
قصر الحرملك.. آخر القصور الملكية الكبرى
في عام 1925، أمر الملك فؤاد الأول ببناء قصر الحرملك على التبة الأخرى داخل المنتزه، واستمر تشييده حتى 1929، بحسب الهيئة العامة للاستعلامات. ويُعد هذا القصر من آخر القصور الملكية التي شُيدت في تاريخ الأسرة العلوية، وقد صممه المهندس الإيطالي فيروتشي بطابع معماري يغلب عليه التأثر الإيطالي والبيزنطي.
ويبرز القصر بواجهته البيضاء وإطلالته البحرية وتماثيل الأسود الرابضة عند المدخل، إلى جانب الزخارف الداخلية والجداريات التي تعكس مزجًا بين الفخامة الأوروبية والخصوصية الملكية. وتذكر الهيئة العامة للاستعلامات أن المساحة الإجمالية للقصر تبلغ 46,481.6 مترًا مربعًا، بينما تبلغ مساحة حدائقه 43,680.1 مترًا مربعًا.
هذا الحضور المعماري جعل قصر الحرملك الصورة الأبرز للمنتزه في الوعي العام، وهو غالبًا أكثر عنصر يُلتقط في الصور التذكارية والمواد البصرية المرتبطة بالمكان.
حدائق المنتزه.. قيمة طبيعية تتجاوز فكرة القصر
رغم شهرة القصور، فإن سحر المنتزه لا يقتصر عليها. فالحدائق نفسها عنصر رئيسي في جاذبية المكان، بما تضمه من أشجار ونخيل ونباتات نادرة ومسارات للمشي ومساحات مفتوحة على البحر. وتؤكد الهيئة العامة للاستعلامات أن الحديقة تطل على عدة شواطئ، من بينها عايدة وكليوباترا وفينيسيا وسميراميس، إلى جانب شاطئ خاص بفندق هلنان فلسطين.
في هذه النقطة تحديدًا يتغير معنى المنتزه من فضاء ملكي مغلق إلى مساحة عامة متعددة الاستخدامات: نزهة عائلية، ومقصد للتصوير، ومكان للتأمل، ومحطة أساسية ضمن برامج زيارة الإسكندرية. كما يكتسب المكان قيمة أكبر لدى الزائر المصري لأنه يجمع في يوم واحد بين التاريخ والطبيعة والبحر، وهي معادلة نادرة حتى في مدينة غنية بالمعالم مثل الإسكندرية.
التطوير الحديث وإعادة تقديم المنتزه
شهدت حدائق المنتزه خلال السنوات الأخيرة أعمال تطوير واسعة استهدفت إعادة تقديم الموقع كوجهة سياحية أكثر تنظيمًا وحداثة. وتفيد تقارير منشورة في بوابة الأهرام بأن مشروع التطوير انطلق في أغسطس 2020، وشمل رفع كفاءة البوابات والأسوار والمنشآت المحيطة مثل طاحونة الهواء وصهريج المياه وبرج الساعة، مع العمل على تحسين المشهد العام والخدمات المقدمة للزائرين.
كما أظهرت تغطيات محلية في عام 2025 استمرار حضور المنتزه ضمن أبرز نقاط الجذب في الإسكندرية خلال المواسم والأعياد، مع الإشارة إلى مناطق البحيرات المستحدثة بعد مشروع التطوير، وإلى استمرار الإقبال العائلي على الحدائق والشواطئ في شرق المدينة.
ومن المهم هنا التمييز بين التاريخ والتطوير المعاصر: فالمنتزه لم يفقد هويته الأصلية كمكان ملكي سابق، لكنه بات يُدار اليوم باعتباره مقصدًا عامًا له وظيفة سياحية واقتصادية وثقافية في آن واحد.
لماذا يحتفظ المنتزه بمكانته في خريطة السياحة المصرية؟
تحظى الإسكندرية أصلًا بمكانة خاصة على خريطة السياحة في مصر بفضل تعدد طبقاتها التاريخية من العصور اليونانية والرومانية إلى الحديثة، لكن المنتزه يملك ميزة إضافية؛ فهو يجمع في نقطة واحدة بين القصر والحديقة والشاطئ. وتوضح الهيئة العامة للاستعلامات أن المدينة نفسها تعد ثاني أهم مدن مصر وأكبر موانئها على المتوسط، وتضم طيفًا واسعًا من المزارات الحديثة والقديمة، وهو ما يجعل المنتزه جزءًا من تجربة سياحية أوسع داخل عروس البحر المتوسط.
وللقارئ المصري، تبدو جاذبية المنتزه مفهومة: مكان سهل الارتباط بالذاكرة، سواء من خلال الرحلات العائلية، أو الصور القديمة، أو الحكايات المرتبطة بالعصر الملكي. أما للزائر العربي أو القادم من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فيقدم المنتزه نموذجًا واضحًا على كيف يمكن للمقار الحاكمة القديمة أن تتحول إلى فضاءات سياحية عامة من دون أن تفقد قيمتها الرمزية.
حكاية مكان يتغير من دون أن ينسى أصله
قصة المنتزه في جوهرها ليست فقط قصة قصرين وحديقة كبيرة، بل قصة تحول اجتماعي وعمراني في مصر الحديثة. فمن موقع اختير ليكون مصيفًا للنخبة الحاكمة في نهاية القرن التاسع عشر، إلى فضاء مفتوح يستقبل جمهورًا واسعًا من المصريين والزائرين، حافظ المنتزه على صورته كأحد أهم معالم الإسكندرية.
وربما لهذا السبب بالذات بقي الاسم حيًا في الوجدان: المنتزه ليس مجرد عنوان على الخريطة، بل فصل كامل من تاريخ الإسكندرية، حيث يلتقي البحر بالعمارة الملكية، وتتحول الذاكرة الخاصة إلى مكان عام يشارك فيه الجميع.