المنستير التونسية تدفع السياحة المستدامة من بوابة الحرف
المنستير التونسية تراهن على سياحة تربط البحر بالتراث
في وقت تتجه فيه وجهات كثيرة في المنطقة إلى البحث عن قيمة مضافة تتجاوز الإقامة الشاطئية التقليدية، تبرز ولاية المنستير في تونس كأحد النماذج التي تحاول الجمع بين الجاذبية الساحلية، وصون التراث، وتنشيط الصناعات التقليدية ضمن رؤية أقرب إلى مفهوم السياحة المستدامة. هذا التوجه عاد إلى الواجهة بعد جلسة العمل التي انعقدت في مقر وزارة السياحة التونسية يوم 27 مارس 2026 بإشراف وزير السياحة سفيان تقية ووالي المنستير عيسى موسى، لمتابعة سير النشاط والمشاريع في قطاعي السياحة والصناعات التقليدية بالجهة.
أهمية هذه الخطوة لا تتعلق فقط بمتابعة موسم سياحي أو ملفات محلية، بل تكشف أيضًا عن الطريقة التي تريد بها تونس إعادة تقديم بعض مدنها الساحلية: ليس باعتبارها شواطئ وفنادق فحسب، وإنما كمناطق عيش وتجربة ثقافية واقتصادية متكاملة. وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو هذه المقاربة مألوفة ومهمة في الوقت نفسه، لأنها تقترب من النقاش الدائر في مصر حول تنويع المنتج السياحي وربط المقاصد الساحلية بالحرف والهوية المحلية.
ما الذي ناقشته السلطات التونسية بشأن المنستير؟
بحسب بيان وزارة السياحة التونسية، تناول الاجتماع الرسمي تقييم مؤشرات النشاط السياحي في المنستير، ومراجعة الاستعدادات لفترات الذروة، ومتابعة المشاريع والاستثمارات الجاري تنفيذها، إضافة إلى نتائج زيارات التفقد للمؤسسات السياحية. كما شمل النقاش ملف الصناعات التقليدية، مع الإشارة إلى تطور في الصادرات، خصوصًا في منتجات الخزف والنسيج، إلى جانب تنظيم معارض وبرامج لتنمية الكفاءات وتعزيز الشراكات مع مؤسسات التعليم العالي في مجالات التكوين والتأهيل.
الاجتماع تطرق أيضًا إلى مشاريع بلدية منجزة أو مبرمجة في المنستير والساحلين والبقالطة وسيدي عامر في إطار تدخلات صندوق حماية المناطق السياحية، مع تأكيد الوزير على ضرورة الاندماج بصورة أكبر في البرنامج الوطني للنظافة والعناية بالمحيط، خاصة في المناطق السياحية والمسالك والشواطئ، فضلًا عن دعم المبادرات المسؤولة مثل تثمين النفايات الخضراء بالشراكة مع القطاع الفلاحي وأصحاب المؤسسات السياحية.
من الشاطئ إلى الحرفة: لماذا تبدو المنستير حالة مختلفة؟
المنستير ليست اسمًا عابرًا على خريطة السياحة التونسية. المدينة تجمع بين الواجهة البحرية، والمارينا، والموروث المعماري، وعلى رأسه رباط المنستير، أحد أبرز المعالم التاريخية في المدينة، والذي سجل 81,417 زائرًا في أحدث الأرقام المنشورة ضمن ملحق السياحة بالأرقام 2023 الصادر عن وزارة السياحة التونسية. كما أظهرت البيانات نفسها أن عدد زوار الموقع ارتفع بنسبة 117% مقارنة بالسنة السابقة الواردة في الجدول الإحصائي.
هذا الثقل التراثي مهم لأن الرهان الحالي في شمال أفريقيا لم يعد يقتصر على زيادة عدد الزوار، بل على إطالة مدة الإقامة ورفع الإنفاق السياحي عبر تجارب أكثر عمقًا. في المنستير، يمكن لهذا أن يمر من خلال الربط بين زيارة الرباط والمدينة القديمة والمارينا والمنتجات الحرفية المحلية، بدل بقاء كل عنصر منفصلًا عن الآخر.
مارينا المنستير في قلب الصورة الجديدة
إذا كان هناك مشهد واحد يلخص طموح المنستير اليوم، فهو مارينا المنستير. الموقع يحتل مكانًا رمزيًا وعمليًا في هوية المدينة، كما أن البلدية تعرضه ضمن أبرز واجهاتها التعريفية، بينما تشير منصة المارينا الرسمية إلى أنها كانت أول ميناء ترفيهي في أفريقيا يحصل على شهادة ISO 14001:2015 الخاصة بنظم الإدارة البيئية، وهو عنصر ينسجم بوضوح مع خطاب الاستدامة الذي تروّج له السلطات التونسية.
هذه النقطة ليست تقنية فقط؛ فهي تعني أن الحديث عن الاستدامة في المنستير لا يقتصر على الشعارات، بل يرتبط أيضًا بمرافق قابلة للتصوير والزيارة والقياس. وبالنسبة للسياحة المتوسطية، فإن الموانئ الترفيهية أصبحت جزءًا من التنافس بين الوجهات، لا سيما مع سعي تونس إلى تطوير سياحة الموانئ الترفيهية وتسهيل إجراءات الملاحة البحرية الترفيهية بين الموانئ التونسية عبر مسارات رقمية وإدارية أبسط.
الحرف التقليدية ليست هامشًا في الخطة
اللافت في الملف التونسي أن الحديث عن الصناعات التقليدية يأتي جنبًا إلى جنب مع السياحة، لا كقطاع منفصل عنها. فبحسب وزارة السياحة التونسية، يمثل هذا القطاع أحد أكثر القطاعات ديناميكية في الاقتصاد، وتستهدف الدولة رفع عائدات تصدير منتجاته إلى 165 مليون دينار تونسي بحلول 2026.
وفي حالة المنستير، ركزت جلسة مارس 2026 على تطور صادرات المنتجات الحرفية، خصوصًا الخزف والنسيج، مع برامج لتطوير المهارات والتأهيل. وهذا الربط مهم جدًا لأن الوجهات التي تنجح في تسويق الحرف كجزء من التجربة السياحية غالبًا ما تحقق أثرًا اقتصاديًا أوسع داخل المدن نفسها، بدل ترك العوائد محصورة في الإقامة والنقل فقط.
- للسائح: تجربة أكثر أصالة وارتباطًا بالمكان.
- للحرفيين: قناة بيع وعرض مرتبطة بتدفق الزوار.
- للمدينة: تنشيط اقتصادي يحافظ على الهوية بدل تآكلها.
الصورة الأوسع: لماذا تتحرك تونس الآن؟
ما يحدث في المنستير يأتي ضمن لحظة انتعاش أوسع لقطاع السياحة التونسي. فوزارة السياحة أعلنت أن تونس تجاوزت 11 مليون سائح في 2025، بينما أظهرت بيانات نقلتها وكالة الأنباء التونسية الرسمية أن العائدات السياحية بلغت 7.8 مليارات دينار تونسي بحلول 25 ديسمبر 2025، بزيادة سنوية قدرها 6.3%. كما نشرت وسائل تونسية أرقامًا سنوية كاملة تقترب من 8.1 مليارات دينار لعام 2025.
من هنا يمكن فهم سبب تشديد السلطات على جودة الخدمات، وتسريع إنجاز المشاريع، وتحسين النظافة، ورفع جاذبية الجهات. فالانتعاش في الأرقام الكلية يخلق ضغطًا على البنية والخدمات المحلية، ويجعل من الضروري أن تتحول المدن السياحية إلى وجهات أكثر تنظيمًا وقدرة على استيعاب الطلب من دون الإضرار بمواردها أو صورتها.
ماذا يعني ذلك للقارئ المصري؟
بالنسبة للمتابع في مصر، فإن قصة المنستير التونسية تستحق الاهتمام لسببين: الأول أنها تقدم مثالًا من المغرب العربي على كيفية إعادة ترتيب العلاقة بين السياحة الساحلية والحرف والبيئة المحلية. والثاني أنها تبرهن على أن التنافس الإقليمي لم يعد قائمًا فقط على عدد الفنادق أو طول الشواطئ، بل على جودة التجربة، وسهولة الحركة، وقوة الهوية البصرية والثقافية للمدينة.
وفي هذا السياق، تبدو المنستير مرشحة لتعزيز مكانتها إذا نجحت في تحويل ما طُرح على الطاولة الرسمية في مارس 2026 إلى نتائج ملموسة على الأرض: شواطئ ومسالك أكثر نظافة، مشاريع بلدية أسرع إنجازًا، مرافق أكثر كفاءة، وحضور أقوى للحرف المحلية داخل المسار السياحي اليومي.
بين الطموح والتنفيذ
المؤكد أن المنستير تملك عناصر البداية: مدينة تاريخية، واجهة بحرية جاذبة، مارينا معروفة، ومؤشرات رسمية على اهتمام الدولة بربط السياحة بالحرف والاستدامة. لكن نجاح هذا النموذج سيظل مرتبطًا بسرعة التنفيذ، وقدرة الجهات المحلية على التنسيق بين البلدية والولاية والوزارة والقطاع الخاص.
في النهاية، لا تبدو المنستير مجرد محطة صيفية على الساحل التونسي، بل مختبرًا صغيرًا لفكرة أكبر في المنطقة: كيف يمكن لمدينة متوسطية أن تربح من السياحة من دون أن تفقد روحها؟ هذا هو السؤال الذي تحاول تونس الإجابة عنه الآن، والمنستير واحدة من أوضح ساحاته.