أنفاق مانسفيلد التاريخية تتهيأ لاستقبال الزوار في بريطانيا
أنفاق عمرها نحو 250 عاماً تدخل خريطة الجذب السياحي
تتجه بلدة مانسفيلد في مقاطعة نوتنغهامشير البريطانية إلى استثمار أحد عناصرها التراثية الأقل ظهوراً فوق الأرض، عبر إتاحة أنفاق تاريخية قديمة للجمهور في خطوة تستهدف دعم الحركة السياحية والثقافية حول متحف مانسفيلد. وتأتي الفكرة في سياق اهتمام متزايد في بريطانيا بإعادة تقديم المواقع التراثية غير التقليدية، خصوصاً تلك المرتبطة بالبنية التاريخية للمدن السوقية القديمة، وهي مدن نشأت تاريخياً حول الأسواق الأسبوعية والتجارة المحلية.
ورغم أن تفاصيل التشغيل الكامل للأنفاق لم تُنشر على نطاق واسع في المصادر الرسمية المتاحة، فإن القصة الأساسية المؤكدة تدور حول الاستفادة من ممرات تحت الأرض يعود تاريخها إلى نحو قرنين ونصف القرن، بما يعزز جاذبية المتحف المحلي ويمنح الزوار تجربة مختلفة عن الزيارات التقليدية للمعارض والقاعات التاريخية. وبالنسبة للقارئ المصري، تبدو الفكرة قريبة من الاهتمام المتزايد بالسياحة القائمة على “الطبقات الخفية” للمدن، أي ما يوجد تحت الشوارع والمباني من ذاكرة عمرانية وأثرية لا يراها المار العادي.
لماذا مانسفيلد تحديداً؟
مانسفيلد ليست من الأسماء البريطانية الأشهر عربياً مقارنة بلندن أو إدنبرة، لكنها تُعد من البلدات السوقية المعروفة في وسط إنجلترا، وتملك رصيداً تراثياً محلياً واضحاً. وتشير وثائق مجلس مقاطعة مانسفيلد إلى وجود مسار تراثي داخل مركز البلدة يعرّف الزوار على المباني والمعالم التاريخية في الشوارع الرئيسية، فيما يُقدَّم متحف مانسفيلد باعتباره نقطة انطلاق أساسية لفهم تاريخ المكان. كما تصف خطط محلية سابقة سوق مانسفيلد المفتوح بأنه جزء من هوية البلدة التاريخية الممتدة لقرون.
هذا السياق مهم لأن أي مشروع لفتح أنفاق قديمة أمام الجمهور لا يُنظر إليه باعتباره نشاطاً منفصلاً، بل حلقة ضمن سردية أوسع تسعى إلى إبراز شخصية البلدة كوجهة تراثية. وفي بيئات من هذا النوع، لا يكون الهدف مجرد عرض “نفق قديم”، بل تحويل الزيارة إلى تجربة متكاملة تبدأ من الشارع والسوق والمتحف، ثم تنزل بالزائر إلى طبقة تاريخية مخفية تحت الأرض.
متحف مانسفيلد.. مؤسسة عمرها أكثر من قرن
المتحف نفسه يملك تاريخاً طويلاً يدعم هذا التوجه. فبحسب الموقع الرسمي، تعود بداياته إلى عام 1903 عندما قدم الجامع المحلي وعالم التاريخ الطبيعي ويليام إدوارد بايلي مجموعته ومبنى لاحتضانها، قبل أن يفتتح المتحف في العام التالي. ثم انتقل إلى مبناه الحالي الذي افتُتح عام 1938، مع توسعات لاحقة في ستينيات القرن العشرين، ثم إضافات أخرى في عام 1989، وتجديدات شملت معارض تفاعلية في 2004 وتحديثات أخرى في 2014.
هذه الخلفية توضح أن المتحف لا يعمل فقط كقاعة عرض تقليدية، بل كمؤسسة محلية تحاول ربط التاريخ بالحياة اليومية في مانسفيلد. لذلك يبدو منطقياً أن تراهن إدارته والجهات المحلية على عناصر جديدة قادرة على جذب فئات أوسع من الزوار، خصوصاً العائلات والمهتمين بالسياحة الثقافية وتجارب الأماكن غير المعتادة.
ما الذي يمكن أن تضيفه الأنفاق لتجربة الزائر؟
المواقع التراثية تحت الأرض تملك جاذبية خاصة عالمياً، لأنها تمنح الزائر شعوراً بالاكتشاف وتعيد سرد التاريخ بطريقة حسية ومباشرة. وفي مدن بريطانية أخرى، أظهرت تجارب مماثلة أن فتح المساحات المخفية أمام الجمهور يمكن أن يحولها إلى عامل جذب رئيسي، سواء كانت أنفاقاً حربية أو ممرات خدمية أو منشآت قديمة أعيد تأهيلها للزيارة. هذا يفسر الرهان على أنفاق مانسفيلد كوسيلة لزيادة الإقبال على المتحف وعلى مركز البلدة التاريخي عموماً.
ومن منظور سياحي أوسع، فإن السائح اليوم لم يعد يكتفي بمشاهدة الواجهات أو قراءة اللوحات التعريفية. هناك طلب متنامٍ على التجارب التي تسمح بالاقتراب من “الكواليس” التاريخية للمكان، وهو ما يجعل الأنفاق القديمة مادة مثالية للسرد البصري والزيارات الإرشادية والفعاليات التعليمية. بالنسبة للقراء في مصر، يمكن مقارنة ذلك بالإقبال الكبير على المسارات التي تكشف الجوانب الخفية للمدن التاريخية، سواء في القاهرة الإسلامية أو الإسكندرية أو المناطق الأثرية ذات الطبقات المتعددة من التاريخ، حتى وإن اختلف السياق العمراني تماماً.
أثر اقتصادي وثقافي يتجاوز المتحف
المصادر الرسمية الخاصة بمانسفيلد تشدد على أن المتحف يؤدي دوراً اقتصادياً واجتماعياً ومكانياً داخل البلدة، وليس مجرد دور ثقافي ضيق. فالمؤسسة تُعرّف نفسها كجزء من خدمات ثقافية تسهم في تعزيز الفخر المحلي، وجذب الناس إلى وسط المدينة، ودعم المجتمع عبر التعليم والأنشطة العامة. ومن هنا، فإن فتح الأنفاق القديمة قد يخدم أهدافاً أوسع مثل زيادة مدة بقاء الزائر في البلدة، وتنشيط الإنفاق على المقاهي والمتاجر والأنشطة المرتبطة بالتراث في مركز مانسفيلد.
هذا النوع من المشاريع مهم أيضاً في وقت تبحث فيه كثير من البلدات البريطانية خارج العواصم الكبرى عن أدوات جديدة لتنشيط الاقتصاد المحلي. المدن الصغيرة والمتوسطة لم تعد تنافس فقط عبر التسوق، بل عبر تقديم هوية مميزة وتجربة لا يمكن نسخها بسهولة. والأنفاق التاريخية، عندما تكون مؤمنة ومجهزة للزيارة، تمنح المكان سردية قوية يسهل تسويقها محلياً ودولياً.
كيف يُقرأ الخبر من زاوية عربية ومصرية؟
قد يبدو خبر أنفاق في بلدة بريطانية صغيرة بعيداً جغرافياً عن اهتمامات القارئ العربي، لكنه في الحقيقة يعكس توجهاً عالمياً في إدارة التراث: تحويل العناصر المنسية أو المغلقة إلى منتجات ثقافية وسياحية قابلة للحياة. وهذه فكرة تهم المنطقة العربية أيضاً، حيث تمتلك مدن كثيرة مخزوناً عمرانياً وتاريخياً غير مستثمر بالكامل، من السراديب والمخازن والممرات القديمة إلى المباني الصناعية والتراثية التي يمكن إعادة توظيفها.
ومن ناحية تحريرية، يظل الخبر مناسباً لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حين يُقدَّم كجزء من متابعة أوسع لسياسات صون التراث وتنشيط السياحة الثقافية حول العالم، وهي ملفات تتابعها المؤسسات والهيئات في المنطقة باهتمام متزايد، خاصة مع تصاعد التنافس على اجتذاب الزوار الباحثين عن تجارب أصيلة، لا مجرد زيارات سريعة للمعالم المعروفة.
ما المؤكد حتى الآن؟
- البلدة المعنية هي مانسفيلد في نوتنغهامشير، وهي بلدة سوقية ذات مسار تراثي معروف.
- متحف مانسفيلد مؤسسة قائمة رسمياً، تعود جذورها إلى 1903 وافتُتح مبناها الحالي في 1938.
- الهدف من المشروع هو تعزيز الجذب السياحي والثقافي للمتحف والبلدة. وهذا يتسق مع الرسالة المعلنة للمتحف في دعم الاقتصاد المحلي والهوية المجتمعية.
- التفاصيل التشغيلية الدقيقة الخاصة بمواعيد الافتتاح العامة، وسعة الزيارات، وآلية الدخول، لم تظهر بشكل كافٍ في المصادر الرسمية التي أمكن التحقق منها، لذلك لا ينبغي الجزم بها قبل إعلان محلي مباشر.
خلاصة
إذا نجح المشروع كما هو مأمول، فقد تتحول أنفاق مانسفيلد التاريخية إلى إضافة لافتة على خريطة السياحة التراثية البريطانية، ليس بسبب ضخامتها فقط، بل لأنها تقدم مثالاً واضحاً على كيفية إحياء التاريخ المحلي بأسلوب معاصر. وبينما تواصل المدن البحث عن طرق ذكية لجذب الزوار، تبدو المساحات المنسية تحت الأرض مرشحة لأن تصبح من أكثر عناصر الجذب إثارة في السنوات المقبلة، خصوصاً عندما ترتبط بمتحف محلي نشط وسردية حضرية واضحة كما هو الحال في مانسفيلد.