YallaTravel

برشلونة تعيد صياغة السياحة بخوارزمية تستهدف الزائر الأنسب

برشلونة تغيّر قواعد الترويج السياحي

تدخل برشلونة مرحلة جديدة في إدارة السياحة، عنوانها الأساسي ليس جذب أكبر عدد ممكن من الزوار، بل الوصول إلى الزائر الأنسب للمدينة من حيث الاهتمامات، وطول الإقامة، والإنفاق، ومدى التوافق مع نمط الحياة المحلي. هذا التوجه لا يأتي من فراغ؛ فالمدينة الكتالونية تعيش منذ سنوات تحت ضغط كثافة سياحية كبيرة، دفعت السلطات إلى الانتقال من منطق الترويج التقليدي إلى منطق الإدارة الدقيقة لحركة الزوار وصورة المدينة في الخارج.

التحول الأبرز ظهر مع استبدال الشعار الترويجي القديم VisitBarcelona بشعار This is Barcelona، في خطوة أعلنها مجلس مدينة برشلونة في 29 يوليو 2024، موضحًا أن الرسالة الجديدة تستهدف زائرًا يحقق قيمة مضافة وعائدًا اجتماعيًا أكبر بدل الاكتفاء بالترويج العام للمدينة كوجهة جماهيرية مفتوحة للجميع. كما أوضحت الجهات الرسمية أن هذه المرحلة ستعتمد على عرض هوية برشلونة من خلال الثقافة والعمارة والموسيقى والتراث، لا عبر التسويق النمطي المعتاد للمدن السياحية الأوروبية.

منصة توصية رقمية بدل الدعاية الواسعة

بحسب خطة العمل الصادرة عن اتحاد السياحة في برشلونة، فإن المدينة تتجه إلى إطلاق منصة توصية رقمية في 2026، ممولة جزئيًا من أموال أوروبية مخصصة للتحول الرقمي. الفكرة الأساسية أن تصبح قنوات برشلونة الرسمية أكثر قدرة على تنسيق واقتراح التجارب المناسبة لكل فئة من الزوار، بدل الاكتفاء بعرض قائمة عامة من المعالم والأنشطة. الوثائق الرسمية تصف هذا التحول بأنه انتقال نحو أسلوب يقوم على الاختيار والتوصية وإبراز ما يناسب هوية المدينة وأولوياتها الاقتصادية والثقافية.

ورغم أن بعض التغطيات الأجنبية شبّهت هذا النهج بخوارزميات منصات البث مثل نتفليكس، فإن الصياغة الرسمية في وثائق برشلونة تتحدث بشكل أوضح عن الترشيح الرقمي والتوجيه الذكي للطلب السياحي، بما يساعد على جذب زوار يهتمون بالثقافة، والفنون، وفن الطهو، والفعاليات المهنية، وليس فقط رحلات الزيارات السريعة أو السياحة المتركزة في أكثر المناطق ازدحامًا.

لماذا تحتاج برشلونة إلى هذا التحول الآن؟

الأرقام تفسر الكثير. مجلس المدينة يقول إن برشلونة تستقبل نحو 30 مليون زائر سنويًا، بينما يساهم اقتصاد الزوار بنحو 14% من الناتج المحلي ويوفر أكثر من 155 ألف وظيفة. وفي بيان آخر صادر في 17 سبتمبر 2024، أشارت البلدية إلى وجود متوسط يومي يقارب 170 ألف زائر داخل المدينة، مع تمركز قوي في نقاط بعينها مثل ساغرادا فاميليا، والرامبلا، وبعض المناطق الساحلية. هذا التركز هو ما يجعل إدارة التدفقات السياحية أولوية ملحة، لا سيما مع الشكاوى المرتبطة بالازدحام، والضغط على المرافق، وتحول بعض الأنشطة التجارية لخدمة السائح على حساب السكان.

وتؤكد البيانات الرسمية أيضًا أن عدد السياح الذين أقاموا في فنادق برشلونة خلال 2025 اقترب من 9 ملايين نزيل، بزيادة 6.9% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعكس استمرار قوة الطلب السياحي رغم الجدل المحلي حول آثاره. بالنسبة للقارئ المصري، هذه المعادلة مألوفة: كيف يمكن لمدينة ذات جاذبية عالمية أن تستفيد من السياحة اقتصاديًا، من دون أن تفقد توازنها العمراني والاجتماعي؟

12 محورًا لإدارة السياحة لا لتكبيرها فقط

خطة برشلونة الحكومية لإدارة السياحة للفترة 2024-2027 تجمع الملف كله داخل نموذج واحد للمدينة، يشمل 12 مجالًا استراتيجيًا و55 إجراءً. ومن أبرز هذه المجالات: إدارة المناطق شديدة الازدحام، تنظيم حركة الحافلات السياحية عبر مشروع Zona Bus 4.0، مكافحة أماكن الإقامة السياحية غير القانونية، تعزيز الاستدامة والمرونة، استخدام البيانات الضخمة لفهم التدفقات، وتطوير الاتصال الموجّه للزوار. كما تتضمن الخطة مراجعة الرسائل الترويجية نفسها بحيث تصبح جزءًا من الإدارة، وليس مجرد إعلان دعائي.

ومن التفاصيل اللافتة أن البلدية تتوقع ارتفاع متوسط رسوم وقوف الحافلات السياحية من نحو 20 يورو يوميًا إلى حوالي 80 يورو ضمن الترتيبات الجديدة، وهي إشارة واضحة إلى أن المدينة تريد ضبط الحركة الجماعية منخفضة العائد نسبيًا، وتوجيه السوق نحو أنماط زيارة أكثر تنظيمًا. كذلك بدأت برشلونة تطبيق رسم سياحي بلدي بقيمة 4 يورو على الإقامة في المنشآت السياحية، مع تقدير رسمي بأن هذه الزيادة قد تولد 20 مليون يورو إضافية سنويًا لدعم خدمات عامة مثل النظافة والأمن والإضاءة والنقل.

من هو الزائر الذي تبحث عنه برشلونة؟

المؤشرات الرسمية لا تتحدث عن جنسية بعينها، بل عن نوعية الطلب. اتحاد السياحة في برشلونة يعرّف مهمته أصلًا على أنها الترويج للمدينة عبر معايير تقسيم واهتمامات تستهدف جمهورًا يقدّر خصوصية المكان وقيمته الثقافية. لذلك نرى تركيزًا متزايدًا على قطاعات مثل المؤتمرات، والعلوم، والتقنية، وفنون المدينة، والطهو المستدام، والفعاليات الرياضية الكبرى، إلى جانب تشجيع الإقامات الأطول والإنفاق الذي ينعكس على الاقتصاد المحلي بصورة أوسع.

وفي هذا السياق، تواصل برشلونة دفع علامة This is Barcelona ودمجها مع برامج ثقافية وغذائية ومهنية. ومن بين المسارات التي تبرزها الخطط الرسمية: الترويج لموسم الفنون، وجذب المؤتمرات المرتبطة بالعلوم والتكنولوجيا، والتوسع في شهادات الاستدامة للقطاع. خطة 2025 تتوقع إضافة 150 شركة جديدة إلى منظومة اعتماد Biosphere Sustainability، فوق 487 شركة كانت قد حصلت بالفعل على الشهادة، بما يربط النمو السياحي بمعايير تشغيل أكثر مسؤولية.

الدروس المهمة لمدن المتوسط والعالم العربي

ما يحدث في برشلونة لا يخص إسبانيا وحدها. فمدن المتوسط، من بينها وجهات في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، تتابع باهتمام كيف تنتقل مدينة مزدحمة عالميًا من منطق الترويج المفتوح إلى منطق إدارة السمعة والطلب. بالنسبة لمدن تعتمد على السياحة الثقافية أو الشاطئية، فإن السؤال لم يعد فقط: كيف نجذب المزيد؟ بل أيضًا: كيف نجذب من يقضي وقتًا أطول، وينفق على الاقتصاد المحلي، ويحترم النسيج الحضري والاجتماعي؟

وبالنسبة للقارئ في مصر، تبدو هذه النقاشات قريبة من قضايا مطروحة في مدن ذات ثقل سياحي وتراثي، حيث تصبح الرقمنة، وتوزيع الحركة على مناطق متعددة، وربط السياحة بالعائد المجتمعي، عوامل أساسية في التخطيط. تجربة برشلونة تطرح نموذجًا قد يغري مدنًا أخرى: استخدام التكنولوجيا ليس فقط لبيع التذاكر أو عرض الصور، بل لتشكيل الطلب السياحي نفسه بصورة أكثر انتقائية وذكاء.

هل تنجح الخطة؟

النجاح هنا لن يقاس فقط بعدد الوافدين، بل بقدرة برشلونة على تخفيف الضغط عن النقاط الأكثر ازدحامًا، وتحسين تجربة السكان والزوار معًا، ورفع جودة الإنفاق والعائد العام. المؤكد حتى الآن أن المدينة وضعت أساسًا مؤسسيًا واضحًا: وثيقة حكومية لإدارة السياحة 2024-2027، تمويل أوروبي للتحول الرقمي، منصة توصية مرتقبة في 2026، ورسائل ترويجية جديدة تقدم برشلونة باعتبارها تجربة ثقافية وهوية حضرية أكثر من كونها مجرد وجهة سريعة للزيارة.

وبينما يتزايد الجدل عالميًا حول السياحة المفرطة، تبدو برشلونة وكأنها تجرب وصفة جديدة: لا تقول للعالم "تعالوا جميعًا"، بل تقول عمليًا: تعالوا إذا كانت المدينة تناسبكم، وإذا كنتم تناسبونها أيضًا. هذه هي الفلسفة التي تمنح خطتها الجديدة أهميتها، وتجعلها واحدة من أكثر تجارب إدارة السياحة إثارة للمتابعة في الفضاء المتوسطي خلال 2026.