تشاتانوغا الأمريكية تحصد لقب «مدينة المتنزه الوطني»
تشاتانوغا تدخل سجل المدن الخضراء في أمريكا الشمالية
في خطوة لافتة على خريطة المدن العالمية، حصلت تشاتانوغا في ولاية تينيسي الأمريكية على اعتراف رسمي بصفتها أول «مدينة متنزه وطني» في أمريكا الشمالية، وفق إعلان صادر في 3 أبريل 2025 من بلدية المدينة ومؤسسة National Park City Foundation. هذا التصنيف لا يعني أنها متنزه وطني بالمعنى القانوني التابع لهيئة المتنزهات الأمريكية، بل يعكس التزامًا حضريًا طويل المدى بجعل الطبيعة جزءًا أصيلًا من حياة السكان اليومية، من الحدائق والممرات الخضراء إلى جودة الهواء والوصول المفتوح إلى الأنشطة الخارجية.
وبالنسبة للقارئ المصري، قد يبدو المفهوم قريبًا من سؤال أكبر يطرح نفسه في مدن كثيرة حول العالم: كيف يمكن لمدينة صناعية سابقة أن تعيد تعريف نفسها عبر البيئة العامة، لا عبر الأبراج والطرق فقط؟ تجربة تشاتانوغا تقدم إجابة عملية، خصوصًا أنها تنتمي إلى قسم «العالم» بوصفها قصة دولية عن التحول الحضري المستند إلى الطبيعة، وليس مجرد خبر محلي أمريكي.
من مدينة عانت من التلوث إلى نموذج بيئي معاصر
تحمل قصة تشاتانوغا وزنًا خاصًا لأن المدينة ارتبطت تاريخيًا بتدهور بيئي واضح خلال القرن العشرين، حين ساهم النشاط الصناعي والنقل والإنتاج الثقيل في تراجع جودة الهواء. وتشير بيانات مكتب مكافحة تلوث الهواء في تشاتانوغا-هاميلتون إلى أن المنطقة عرفت في منتصف إلى أواخر القرن الماضي مستويات مرتفعة من التلوث، قبل أن تبدأ جهود منسقة بين السلطات المحلية والصناعة والجهات الفيدرالية لتقليل الانبعاثات وتحديث العمليات الصناعية وتشديد القواعد البيئية.
هذا التحول لم يبقَ رمزيًا. ففي 31 مايو 2011 أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية EPA أن منطقة تشاتانوغا باتت تستوفي المعيار الفيدرالي الخاص بالجسيمات الدقيقة PM2.5، وهو مؤشر مهم على تحسن الهواء وصحة السكان. كما يوضح نظام الرصد المحلي أن مراقبة جودة الهواء لا تزال مستمرة لضمان الالتزام بالمعايير الوطنية الخاصة بالجسيمات الدقيقة والأوزون.
ماذا يعني لقب «مدينة متنزه وطني»؟
بحسب بلدية تشاتانوغا، تقوم الفكرة على تصور المدينة باعتبارها مدينة داخل متنزه، لا مدينة تضم بعض الحدائق فقط. وهو فارق فلسفي مهم: الأول يربط التخطيط العمراني بالصحة العامة والغطاء النباتي والأنشطة الخارجية والتراث الثقافي، بينما الثاني يحصر الطبيعة في جيوب منفصلة داخل النسيج الحضري. وقد شدد العمدة تيم كيلي على أن الطبيعة والهواء الطلق يمثلان عنصرًا محوريًا في هوية المدينة وقصتها التنموية.
كما توضح الحملة الرسمية أن المسار كان مجتمعيًا بالأساس، إذ انطلق في أواخر 2023، وشمل اجتماعات عامة وتعبئة مدنية واسعة انتهت بجمع أكثر من 5600 توقيع دعم وصياغة ميثاق يرتكز على سبعة التزامات رئيسية تتعلق بالناس والمكان والطبيعة. وفي نوفمبر 2024 قدمت المدينة ملفها النهائي، قبل أن تزورها لجنة مراجعة في مارس 2025 وتعلن المؤسسة اعتمادها رسميًا في أبريل.
المدينة الثالثة عالميًا بعد لندن وأديلايد
اللافت أن تشاتانوغا لم تنضم إلى قائمة طويلة، بل إلى نادٍ صغير جدًا. فبحسب مؤسسة National Park City Foundation، أصبحت المدينة الثالثة عالميًا التي تحصل على هذا الاعتراف بعد لندن التي نالت الصفة عام 2019 وأديلايد الأسترالية عام 2021. وهذا يمنح الخبر بعدًا دوليًا يتجاوز الولايات المتحدة، ويضع تشاتانوغا ضمن تجارب حضرية عالمية تسعى إلى جعل الطبيعة عنصرًا أساسيًا في التنمية وليس رفاهية إضافية.
أرقام ومواقع تعكس التحول على الأرض
الحديث عن الهوية الخضراء في تشاتانوغا لا يقتصر على الشعارات. فمن أبرز المواقع التي تبرز هذا التحول Tennessee Riverpark، وهو ممر أخضر مرصوف يمتد لنحو 13 ميلًا ويربط وسط المدينة بسد Chickamauga ومنطقة St. Elmo، مع مسارات للمشي والدراجات والتجديف والصيد ومراقبة الحياة البرية. كما تعد شبكة الحدائق والممرات جزءًا أساسيًا من صورة المدينة الجديدة كوجهة للأنشطة الخارجية.
وتشير المواد السياحية والرسمية للمدينة إلى أن الممر النهري بات من أبرز معالمها اليومية، لأنه لا يخدم الزوار فقط، بل يربط الأحياء بالواجهة المائية ويعيد دمج النهر في الحياة الحضرية. هذه الفكرة مألوفة لقارئ المنطقة العربية أيضًا: استعادة النهر أو الكورنيش أو الفضاء العام يمكن أن تصبح أداة تنمية، لا مجرد مشروع تجميلي.
تنوع بيولوجي ومساحات عامة وثقافة محلية
في خطاب الترويج الرسمي للمبادرة، لا يُنظر إلى «مدينة المتنزه الوطني» باعتبارها مشروع أشجار وحدائق فقط، بل كصيغة تجمع بين البيئة والثقافة والأنشطة الرياضية والعمل التطوعي والتعليم. فحملة تشاتانوغا تحدثت عن ربط السكان بالطبيعة المحلية، وتشجيع زراعة النباتات الأصلية، وتوسيع فرص الوصول إلى الهواء الطلق، إلى جانب الاحتفاء بالفنون والتاريخ واللعب في الفضاءات العامة.
وتصف المؤسسة المانحة للاعتراف ملف تشاتانوغا بأنه قدم رؤية لمدينة أكثر خضرة وصحة وثراءً ثقافيًا، مع خطط لتحسين الوصول إلى الطبيعة وترسيخ ثقافة النشاط الخارجي والرعاية البيئية والتعليم، إلى جانب التنمية الشاملة والمستدامة. وبذلك، لا يقتصر الإنجاز على تحسين المشهد البصري، بل يتصل بنمط حياة حضري كامل.
لماذا يهم هذا الخبر المتابع العربي؟
أهمية الخبر لا تكمن فقط في أن تشاتانوغا سبقت بقية المدن الأمريكية إلى هذا التصنيف، بل في الدرس الذي تقدمه: المدن التي عرفت التلوث والتدهور الصناعي ليست محكومة بالبقاء أسيرة لماضيها. من خلال التخطيط طويل الأمد، وتحسين الهواء، وإتاحة الحدائق والمسارات، يمكن إعادة بناء الصورة الدولية للمدينة، وجذب الزوار والاستثمارات والسكان في الوقت نفسه.
وفي زمن تتصاعد فيه أسئلة المناخ وجودة الحياة في المدن الكبرى من القاهرة إلى مدن المتوسط وأوروبا والأمريكتين، تبدو تجربة تشاتانوغا مثالًا عمليًا على أن التحول البيئي قد يصبح عنوانًا تنافسيًا حقيقيًا. فمن مدينة ارتبط اسمها قديمًا بسوء نوعية الهواء، أصبحت اليوم تقدم نفسها كمدينة عالمية تعيد وصل الإنسان بالطبيعة داخل المجال الحضري نفسه.
خلاصة المشهد
الاعتراف الذي نالته تشاتانوغا في أبريل 2025 لا يغير خرائط الولايات المتحدة، لكنه يغير الطريقة التي يمكن أن تُقرأ بها المدن الصناعية السابقة في العالم. فبين جودة الهواء، والممرات الخضراء، والمشاركة المجتمعية، وصعود نموذج «المدينة داخل متنزه»، ترسم تشاتانوغا مسارًا جديدًا في التخطيط الحضري الأمريكي، ومسارًا يستحق المتابعة من أي قارئ مهتم بمستقبل المدن حول العالم.
- تاريخ الاعتراف الرسمي: 3 أبريل 2025.
- الصفة: أول مدينة متنزه وطني في أمريكا الشمالية.
- الدعم المجتمعي: أكثر من 5600 توقيع تأييد.
- أبرز المعالم الخضراء: Tennessee Riverpark بطول 13 ميلًا.
- الإنجاز البيئي السابق: إعلان EPA في 31 مايو 2011 استيفاء معيار الجسيمات الدقيقة PM2.5.