جامع الناقة في طرابلس.. ذاكرة روحية تحرس المدينة القديمة
جامع الناقة.. معلم صغير في المساحة كبير في الذاكرة
في مدن البحر المتوسط القديمة، لا تُقاس قيمة المكان باتساعه فقط، بل بما يختزنه من حكايات وطبقات زمنية متراكمة. ومن هذا النوع من الأماكن يبرز جامع الناقة في المدينة القديمة بطرابلس، بوصفه واحدًا من أشهر المعالم الدينية والتاريخية في ليبيا، وواحدًا من أكثر المواقع التي تستدعي التأمل لدى المهتمين بالتراث الإسلامي في شمال أفريقيا.
وبالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو قصة المسجد مألوفة على نحو خاص؛ فهي ترتبط بالعصر الفاطمي وبالرحلة التاريخية التي نقلت مركز الدولة الفاطمية من المغرب العربي إلى القاهرة. هذه الصلة تمنح الجامع بعدًا وجدانيًا إضافيًا، لأنه يقف عند تقاطع الجغرافيا بين طرابلس والقاهرة، وعند تقاطع التاريخ بين الرواية الشعبية والوثيقة المعمارية.
هل هو أقدم مسجد في ليبيا؟
يتردد كثيرًا أن جامع الناقة هو أقدم مسجد في ليبيا، أو على الأقل أقدم أثر إسلامي باقٍ في طرابلس. لكن التحقق من هذه الفكرة يحتاج إلى قدر من الحذر. فبحسب مادة تعريفية عن المسجد، يُرجح أن تأسيسه الأول يعود إلى سنة 973م بأمر من الخليفة الفاطمي المعز لدين الله خلال مروره بطرابلس في طريقه إلى مصر لنقل مقر الخلافة إلى القاهرة. ومع ذلك، تبقى بداياته الأولى غير موثقة بشكل قاطع بسبب محدودية السجلات المكتوبة المباشرة.
هذا التحفظ تؤكده أيضًا الباحثة التاريخية مفيدة ميلاد عفان من جهاز إدارة المدينة القديمة في طرابلس، التي أوضحت في تصريحات لوكالة الأنباء الليبية في 3 مارس 2025 أن جامع الناقة قد يكون أقدم الجوامع في ليبيا، لكن لا توجد مصادر مكتوبة حاسمة تثبت هذه الرواية، وأن جزءًا من شهرته يقوم على المأثور الشعبي المتداول بين أهل المدينة.
الرواية الفاطمية.. لماذا سُمّي بجامع الناقة؟
يرتبط اسم المسجد بحكاية شعبية شهيرة، تدور حول ناقة محمّلة بالذهب أو المال ارتبطت بتمويل بناء الجامع. وتختلف صياغات الرواية من مصدر إلى آخر، لكن الأشهر أن الاسم التصق بالمسجد منذ العهد الفاطمي، حين استُخدمت الهبة لبناء الجامع أو توسيعه. وبما أن هذه القصة تنتمي إلى المرويات الشفوية أكثر من انتمائها إلى الوثائق الصارمة، فمن الأفضل قراءتها كجزء من الذاكرة المحلية التي تضيف للمكان سحره الإنساني، لا كحقيقة تاريخية نهائية.
وهنا تكمن جاذبية جامع الناقة في قسم تجارب وإلهام: فالمكان لا يقدم فقط درسًا في التاريخ، بل يكشف كيف تصنع المجتمعات حكاياتها حول الأبنية المقدسة، وكيف تتحول الأسطورة الصغيرة إلى عنصر من هوية المدينة نفسها.
من التأسيس إلى إعادة البناء
المؤكد تاريخيًا أن المسجد مر بتحولات كبرى عبر القرون. فالمصادر المعمارية تشير إلى أنه تعرض للتلف أو الدمار خلال الاحتلال الإسباني لطرابلس في أوائل القرن السادس عشر، وهو ما ينسجم مع ما ذكرته وكالة الأنباء الليبية عن تدمير عدد من المباني الإسلامية في المدينة بعد الحملة الإسبانية التي دخلت طرابلس في 25 يوليو 1510. وبعد ذلك أُعيد بناء الجامع في العهد العثماني، وتحديدًا في 1610-1611م، وفق نقش تاريخي ينسب عملية الترميم أو إعادة التشييد إلى الوالي صفر داي.
هذه الطبقات الزمنية تجعل جامع الناقة مثالًا مهمًا على العمارة الإسلامية التي لا تصلنا بصورتها الأولى الخالصة، بل عبر عمليات إصلاح وإعادة تشكيل متتابعة. ومن ثم فإن قيمة الجامع لا تكمن فقط في تاريخ تأسيسه المحتمل، بل في كونه شاهدًا على قدرة المدينة على التعافي وإعادة البناء بعد الغزو والتقلبات السياسية.
ملامح معمارية تستحق الانتباه
يقع الجامع داخل نسيج الأزقة الضيقة للمدينة القديمة في طرابلس، وهي بيئة عمرانية تمنح زيارته طابعًا حميميًا مختلفًا عن المساجد الكبرى ذات الساحات المفتوحة. وتشير المصادر المعمارية إلى أن شكله الحالي غير منتظم نسبيًا، ما يعكس تعدد الإضافات والتعديلات عبر الزمن. كما يضم صفوفًا من الأعمدة الحاملة لعدد كبير من القباب الصغيرة، مع استخدام أعمدة وعناصر معمارية أقدم أُعيد توظيفها من العصور الرومانية والبيزنطية، وهي سمة معروفة في عمارة مدن المتوسط التاريخية.
أما المئذنة فتأخذ هيئة مدببة ترتبط بالطراز العثماني، بينما تبدو بعض تفاصيله الأخرى أقرب إلى الطابع المحلي في طرابلس. والنتيجة أن الجامع يقدم للزائر تجربة بصرية هادئة: لا يعتمد على الضخامة بقدر ما يعتمد على الإيقاع الداخلي للأقواس والأعمدة والقباب، وهي عناصر تمنح المكان روحًا تأملية شديدة الخصوصية.
مكانته داخل المدينة القديمة بطرابلس
لا يمكن فهم جامع الناقة بعيدًا عن سياقه الأشمل داخل المدينة القديمة بطرابلس. فبحسب جهاز إدارة المدينة القديمة، تضم المنطقة عشرات المؤسسات الدينية والتاريخية، بينها 12 جامعًا و20 مسجدًا إلى جانب الزوايا والمدارس والكتاتيب. وسط هذا النسيج، يظل جامع الناقة أحد أبرز الأسماء التي تتكرر كلما دار الحديث عن هوية طرابلس الإسلامية القديمة وعن العلاقة بين العبادة والعمران والحياة اليومية.
وفي السنوات الأخيرة، عاد ملف حماية التراث الليبي إلى الواجهة. ففي 2021 أعلنت وزارة الثقافة والتنمية المعرفية في ليبيا إدراج 22 موقعًا تراثيًا على قائمة التراث في منظمة الإيسيسكو، وكان جامع الناقة العتيق بالمدينة القديمة طرابلس ضمن هذه المواقع. كما أكد مدير عام جهاز إدارة المدن التاريخية أيمن ضو في 7 مايو 2026 أن تسجيل المواقع التاريخية الليبية في القوائم الدولية يمثل خطوة مهمة لحماية هذا الإرث وتعزيز حضوره عالميًا.
لماذا يهم القارئ المصري؟
قد يتساءل البعض في مصر: ما الذي يجعل مسجدًا في طرابلس مادة ملهمة لنا اليوم؟ الإجابة ببساطة أن جامع الناقة يفتح نافذة على تاريخ مشترك في الإقليم. فالعصر الفاطمي الذي ترك بصمته في القاهرة، من الجامع الأزهر إلى تخطيط المدينة نفسها، يمتد أثره غربًا في مواقع ليبية مثل هذا الجامع. ومن هنا تبدو زيارة هذه المعالم، حتى لو كانت عبر القراءة والصورة، فرصة لإعادة اكتشاف خيط حضاري يربط مصر بليبيا خارج الأخبار السياسية اليومية.
كما أن قصة الجامع تلامس قضية أوسع تهم أي قارئ عربي: كيف نحفظ المباني التاريخية الحية؟ أي تلك التي ليست مجرد آثار صامتة، بل أماكن عبادة وذاكرة ومجتمع. الحفاظ هنا لا يعني فقط ترميم الحجر، بل صون المعنى أيضًا.
تجربة إلهام أكثر من مجرد خبر
في النهاية، لا يختزل جامع الناقة في كونه مبنى قديمًا أو موضوعًا للجدل حول الأقدمية. قيمته الحقيقية أنه يذكرنا بأن المدن العربية ما زالت تخبئ زوايا قادرة على إلهامنا، حتى حين تبدو بعيدة عن المسارات السياحية التقليدية. وفي طرابلس، حيث البحر قريب والأسوار القديمة ما زالت تحرس الذاكرة، يبقى هذا الجامع علامة على استمرارية الروح في وجه التبدل.
لهواة السفر الثقافي من مصر، يقدم جامع الناقة نموذجًا لما يستحق أن ننتبه إليه في المنطقة: أماكن متواضعة المظهر، لكنها عميقة الأثر، وتمنح الزائر ما هو أهم من الصورة التذكارية؛ تمنحه شعورًا نادرًا بملامسة زمن لا يزال حيًا بين الناس والحجر.
- الموقع: المدينة القديمة في طرابلس، ليبيا.
- الأهمية: من أقدم المعالم الإسلامية الباقية في طرابلس، ويرجح أن جذوره تعود إلى العصر الفاطمي.
- إعادة البناء: أعيد تشييده في 1610-1611م خلال العهد العثماني.
- الحضور التراثي: أُدرج ضمن المواقع الليبية المسجلة لدى الإيسيسكو في 2021.