YallaTravel

حمّامات الساونا العارية في النمسا.. طقس صحي يثير الفضول

طقس أوروبي قديم يعود بوجه جديد

في قلب جبال الألب النمساوية، لم تعد الساونا مجرد غرفة حرارة للبقاء بضع دقائق ثم المغادرة، بل تحولت إلى تجربة عافية متكاملة تمزج بين الطقوس الجماعية والطبيعة الجبلية والثقافة المحلية. وخلال السنوات الأخيرة، برزت في النمسا وتحديداً في ولاية تيرول موجة متنامية من تجارب Aufguss، وهي جلسات ساونا يقودها مختصون يسكبون الماء والزيوت العطرية أو الأعشاب على الأحجار الساخنة، ثم يوزعون الحرارة داخل الغرفة بحركات مدروسة باستخدام المناشف، ما يحول الجلسة إلى عرض حسي كامل قائم على البخار والرائحة والإيقاع.

هذا الاتجاه يلفت اهتمام الزوار الدوليين لأنه يضعهم أمام واحدة من أكثر العادات الأوروبية وضوحاً وصراحة: كثير من مناطق الساونا في النمسا تعمل وفق نظام خالٍ من الملابس أو ما يعرف بـ textile-free. وبالنسبة لكثيرين من خارج وسط أوروبا، تبدو الفكرة في البداية صادمة، لكنها في السياق النمساوي تُعامل كجزء من آداب المكان وثقافة الصحة، لا كشيء مثير أو استعراضي.

لماذا تُفضّل الساونا بلا ملابس؟

وفق الهيئة الوطنية للسياحة في النمسا، فإن ارتداء ملابس السباحة داخل الساونا ليس القاعدة في معظم المرافق المخصصة لهذا النوع من الاسترخاء، لأن القماش يحتجز العرق ويؤثر في تبخره، وهو ما قد يقلل من الفائدة الحرارية المرجوة من الجلسة. وتوضح المصادر الرسمية أيضاً أن القواعد تختلف من مكان لآخر، إذ توجد مرافق تسمح بمناطق مخصصة بالملابس، لكن كثيراً من أقسام الساونا التقليدية تبقى بلا ملابس مع الالتزام باستخدام منشفة كبيرة للجلوس والحفاظ على النظافة.

ومن المهم للقارئ المصري الذي يفكر في زيارة النمسا أن يدرك أن الأمر لا يُطرح هناك بوصفه “تحدياً” اجتماعياً بقدر ما هو سلوك متعارف عليه داخل المنتجعات الصحية. ولهذا تركز الإرشادات الرسمية على الاستحمام قبل الدخول، واستخدام المنشفة فوق المقاعد الخشبية، وارتداء الروب خارج الغرف الساخنة، واحترام الهدوء داخل المساحات المخصصة للاسترخاء.

أكوا دوم.. عنوان بارز لهذه الظاهرة

من بين أبرز الأمثلة على هذه الثقافة يبرز منتجع AQUA DOME في لانغنفيلد بولاية تيرول، وهو أحد أشهر المنتجعات الحرارية في جبال الألب النمساوية. المنتجع يقدّم نفسه كوجهة تجمع بين الينابيع الحرارية وعوالم الساونا والإطلالات الجبلية، وقد أعلن في مواده الرسمية أنه أعاد تطوير مفهوم جلسات الساونا لديه ضمن تصور يرتبط بعناصر الجبال والماء والقوة المستوحاة من طبيعة وادي أوتزتال.

وبحسب المعلومات المنشورة على الموقع الرسمي للمنتجع، تُقام في منطقة الساونا جلسات ضخّ البخار والروائح حتى 12 مرة يومياً، مع استخدام زيوت أساسية وأعشاب ونباتات محلية، إضافة إلى برامج تقشير وطقوس تهدئة تعتمد على التنوع بين الحرارة الشديدة ثم التبريد السريع. كما يضم المكان أنواعاً متعددة من الساونا، بينها ساونا حجرية بدرجات حرارة تتراوح تقريباً بين 80 و100 درجة مئوية، وساونا “حظيرة القش” عند نحو 70 درجة، وأحواض تبريد تصل حرارتها إلى 13-14 درجة مئوية.

المنتجع نفسه يوضح بوضوح أن منطقة الساونا خالية من الملابس، مع السماح باستخدام الروب خارج الغرف الساخنة أو منشفة الساونا وقطعة قماش مخصصة تعرف باسم sauna kilt. كما يحدد أن دخول منطقة الساونا متاح لمن هم في سن 15 عاماً فأكثر. هذه التفاصيل تجعل التجربة أكثر وضوحاً للزائر الأجنبي وتقلل من عنصر المفاجأة.

من عرض استرخاء إلى “مسرح حرارة”

ما يمنح هذه التجربة جاذبيتها العالمية هو أن جلسات Aufguss لم تعد مجرد سكب ماء على الحجارة الساخنة، بل أصبحت في كثير من الأماكن طقساً منظماً ومؤدى بإتقان. الاتحاد العالمي لبطولات Aufguss يوضح أن هذا المجال تطور إلى مسابقات دولية وعروض يقدّمها “أساتذة الساونا”، وهو ما يعكس كيف خرجت الفكرة من نطاق العادة المحلية إلى صناعة عافية وترفيه متخصصة.

وفي بعض المنتجعات، تُصاحب الجلسات موسيقى خافتة أو خلفيات صوتية مستوحاة من الطبيعة الجبلية، بينما تركز جلسات أخرى على الصمت الكامل. ويعتمد جزء كبير من التأثير على التحكم في توزيع الهواء الساخن داخل الغرفة، وعلى الروائح الطبيعية مثل الصنوبر والتنوب والأعشاب الألبية، وهي عناصر تمنح التجربة طابعاً محلياً واضحاً لا يمكن فصله عن المشهد النمساوي العام.

لماذا يهم هذا الخبر القارئ في مصر؟

السياحة الصحية أصبحت أحد أسرع أنماط السفر نمواً حول العالم، ومع تزايد اهتمام المصريين بالرحلات التي تجمع بين الطبيعة والاسترخاء، تبرز النمسا كخيار مختلف عن الوجهات التقليدية في أوروبا. فهي لا تقدم فقط مناظر ثلجية أو قرى جبلية، بل تروّج كذلك لنمط إقامة يقوم على العافية الشاملة، حيث تتكامل الإقامة الفندقية مع المياه الحرارية والساونا والعلاج بالمناخ الجبلي.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الفهم الثقافي قبل السفر. فالسائح العربي الذي يذهب إلى منتجع نمساوي من دون معرفة مسبقة بقواعد الساونا قد يواجه ارتباكاً أو حرجاً غير ضروري. لذلك تبدو معرفة قواعد المكان جزءاً من التخطيط الذكي للرحلة، تماماً مثل معرفة حالة الطقس أو وسائل النقل أو أسعار الإقامة.

نصائح عملية قبل التجربة

  • اقرأ قواعد المنتجع مسبقاً: بعض المنتجعات تخصص مناطق بالملابس وأخرى بلا ملابس.
  • احمل روباً ومنشفة كبيرة: كثير من الفنادق توفرها، لكن التحقق مسبقاً أفضل.
  • لا تعتبر الجلسة منافسة: المدة الشائعة داخل بعض غرف الساونا تتراوح بين 15 و20 دقيقة، بحسب حرارة الغرفة وتحمل الجسم.
  • احترم الخصوصية: التصوير في هذه المساحات غالباً غير مقبول، والهدوء جزء من التجربة.
  • استشر الطبيب عند الحاجة: أصحاب أمراض القلب أو الضغط أو الحوامل يحتاجون عادة إلى استشارة طبية قبل التعرض للحرارة العالية.

النمسا تراهن على “العافية” كجزء من صورتها السياحية

المصادر السياحية الرسمية في النمسا تبرز بوضوح أن العافية لم تعد نشاطاً مكملاً لرحلات التزلج، بل صارت سبباً مستقلاً للسفر إلى الألب. وتعرض المنصات الرسمية عشرات الفنادق والمنتجعات التي تربط بين المسابح الدافئة والمناظر الجبلية والساونا والعلاجات الطبيعية. وفي هذا السياق، تبدو تجربة الساونا العارية أقل غرابة إذا وُضعت داخل إطارها الحقيقي: ثقافة صحية محلية راسخة تتعامل مع الجسد بوصفه جزءاً من العناية الذاتية لا موضوعاً للإحراج.

وبالنسبة لمن يتابع التحولات في سوق السفر العالمي من مصر، فإن هذه الظاهرة تقدم مثالاً على الكيفية التي تعيد بها أوروبا تسويق جبالها ومنتجعاتها بعيداً عن الشتاء والتزلج فقط. فاليوم، يمكن لوجهة مثل تيرول أن تجذب الزوار صيفاً وشتاءً عبر تجارب العافية بقدر ما تجذبهم عبر الرياضات الجبلية.

الخلاصة أن “الساونا العارية” في النمسا ليست نزوة سياحية عابرة، بل امتداد لتقاليد قديمة أعادت صناعة السفر الحديثة تقديمها بشكل أكثر تنظيماً وجاذبية. ومن يفكر في خوضها، عليه أن يذهب وهو يعرف القاعدة الأساسية: في جبال الألب النمساوية، الاسترخاء نفسه له بروتوكول، وأحياناً يبدأ بترك التردد خارج باب الساونا.