YallaTravel

حوش الحفر في غريان الليبية.. عمارة تحت الأرض تتحدى المناخ

حوش الحفر في غريان.. كيف صنعت ليبيا بيتاً يختبئ في الأرض؟

في غرب ليبيا، وتحديداً في مدينة غريان الواقعة في منطقة الجبل الغربي جنوب طرابلس، يبرز حوش الحفر بوصفه واحداً من أكثر النماذج المعمارية لفتاً للانتباه في شمال أفريقيا. هذا النمط السكني لا يعتمد على الارتفاع فوق سطح الأرض بقدر ما يقوم على الحفر إلى الداخل، في صيغة تجمع بين الحل المناخي والوظيفة الاجتماعية والهوية المحلية. وتصف وكالة الأنباء الليبية هذا النوع من البيوت بأنه من أهم معالم غريان السياحية، كما أُدرج ضمن مواقع التراث في الدول الإسلامية من جانب منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة «إيسيسكو» في يوليو 2022.

وبالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو الفكرة قريبة من منطق العمارة البيئية التي تستفيد من الطبيعة بدلاً من مقاومتها: مثلما اعتمدت بعض الواحات في مصر تاريخياً على مواد البناء المحلية وسمك الجدران لتلطيف الحرارة، اعتمدت غريان على باطن الأرض نفسه لصناعة مناخ داخلي أكثر استقراراً على مدار العام.

ما هو حوش الحفر؟

بحسب الشرح المنشور لدى وكالة الأنباء الليبية، يُنشأ حوش الحفر عبر حفرة عمودية قد يصل عمقها إلى نحو 10 أمتار، ثم تُفتح من قاعها فراغات أفقية تُشكّل الغرف أو ما يُعرف محلياً بـ«الديار». وفي القلب توجد ساحة داخلية مكشوفة تُعد مركز الحركة والتهوية والضوء، بينما يتم الوصول إلى سطح الأرض من خلال ممر مائل محفور بزاوية تقارب 45 درجة وبارتفاع يقارب 4 أمتار. كما تشير الوكالة إلى وجود حلول تقليدية لتصريف مياه الأمطار والسيول، من بينها حافة علوية تحمي الفناء وتجويف مخصص لتجميع المياه في الوسط.

هذه التفاصيل تكشف أن المسألة لم تكن مجرد حفر مساكن داخل التربة، بل تطوير منظومة بناء متكاملة، فيها مدخل، وفناء، وغرف، وعناصر حماية، وأبواب كانت تُصنع أحياناً من خشب الزيتون، مع أقفال ومفاتيح معدنية أو خشبية بحسب الإمكانات المتاحة.

عمارة ولدت من المناخ والتضاريس

خصوصية غريان لا ترتبط بالتراث وحده، بل بالجغرافيا أيضاً. فالمدينة تقع على ارتفاع ملحوظ عن مستوى البحر؛ وتورد بعض قواعد البيانات الجغرافية الحديثة أن ارتفاعها يناهز 700 متر تقريباً، وهو ما يفسر اختلاف طقسها عن الساحل الليبي. كما يُظهر ملف المناخ الصادر عبر بوابة المعرفة المناخية التابعة للبنك الدولي أن متوسط حرارة يناير في غريان خلال فترة 1991-2020 بلغ 10.86 درجات مئوية، مع متوسط صغرى يقارب 5.33 درجات، بينما يصل متوسط أغسطس إلى 29.92 درجة. هذه الفوارق المناخية تجعل فكرة السكن المحمي داخل الأرض منطقية للغاية، لأنها تساعد في الحد من البرودة شتاءً وتخفيف الحر صيفاً.

ولذلك لا يبدو مستغرباً أن تؤكد المصادر الليبية أن هذه البيوت لا تحتاج إلى مستويات التدفئة أو التبريد نفسها التي تتطلبها المساكن التقليدية فوق الأرض. فالتربة المحيطة تعمل كعازل طبيعي، وتحافظ على قدر من الثبات الحراري داخل الفراغات، وهو مبدأ معروف اليوم في العمارة المستدامة، لكنه هنا مطبق منذ قرون بوسائل محلية خالصة.

إرث عمراني عمره قرون

المؤكد من المصادر الرسمية أن حوش الحفر في غريان يمثل نموذجاً عمره عدة قرون، وأنه ظل حاضراً في المدينة لفترات طويلة، قبل أن يتراجع استخدامه تدريجياً مع تبدل أنماط السكن الحديثة. ورغم صعوبة تثبيت تاريخ دقيق لبداية هذا النمط من دون مرجع أثري حاسم، فإن الثابت أنه ارتبط بتطور المسكن في منطقة الجبل الغربي، وبقدرة السكان على تطويع البيئة القاسية إلى فضاء معيشة عملي وآمن.

وتكمن أهمية هذا النوع من البيوت في أنه لا يروي فقط كيف عاش الناس، بل كيف فكروا. فالفناء الغائر في الأرض يحقق الخصوصية، والغرف المحفورة حوله تنظم حياة الأسرة، والممر المائل يربط الداخل بالعالم الخارجي من دون فقدان العزل. هكذا يصبح البيت أشبه بخريطة اجتماعية، لا مجرد مأوى.

لماذا يستحق اهتمام القارئ العربي اليوم؟

في وقت تتصاعد فيه النقاشات حول العمارة الخضراء وكفاءة الطاقة والتكيف مع التغيرات المناخية، تعود النماذج التقليدية مثل حوش الحفر إلى الواجهة بوصفها خبرات متراكمة وليست بقايا من الماضي فقط. ما أنجزته المجتمعات المحلية في غريان قبل قرون ينسجم، من حيث الفكرة، مع مبادئ معاصرة تقوم على تقليل الاعتماد على التكييف الصناعي، والاستفادة من خواص الأرض والمواد المحيطة.

ومن زاوية صحفية أوسع، فإن هذا المعلم الليبي يضيف إلى صورة المغرب العربي طبقة أقل تداولاً في الإعلام العربي: طبقة الحياة اليومية والذكاء المعماري الشعبي، بعيداً عن اختزال المنطقة في السياسة أو الأزمات. فهنا نحن أمام قصة عن الإنسان حين يصمم بيته بما يلائم تضاريسه ومناخه وثقافته.

غريان على خريطة التراث والسياحة

إدراج بيوت الحفر في غريان على قائمة التراث في الدول الإسلامية من قبل «إيسيسكو» منح هذا الموروث دفعة رمزية مهمة، لأنه يربطه رسمياً بقيمة ثقافية تتجاوز المحلية. كما تصف وكالة الأنباء الليبية هذه المساكن بأنها من أبرز عناصر الجذب السياحي في المدينة، وهو توصيف منطقي إذا أخذنا في الاعتبار فرادة المشهد البصري نفسه: بيوت لا تكشف ملامحها إلا بعد النزول إلى داخل الأرض.

وبالنسبة للسياحة الثقافية، فإن حوش الحفر يقدم مادة جذابة للزائر والباحث والمصور معاً. فالمكان ليس أثراً منفصلاً عن حياة الناس، بل جزء من ذاكرة عمرانية ما زالت تحافظ على مفرداتها الأساسية: الفناء، الديار، الممرات، وعناصر الحماية من المياه.

أبرز الحقائق عن حوش الحفر في غريان

  • الموقع: مدينة غريان في الجبل الغربي جنوب طرابلس.
  • الطراز: مساكن تقليدية محفورة في باطن الأرض حول فناء مركزي.
  • العمق: قد يصل عمق الحفرة الرئيسية إلى نحو 10 أمتار.
  • الوصول: ممر مائل بزاوية تقارب 45 درجة يؤدي إلى السطح.
  • الأهمية: معلم سياحي وتراثي يعكس التكيف مع المناخ المحلي.
  • الاعتراف الثقافي: أُدرج على قائمة التراث في الدول الإسلامية عام 2022.

بين الذاكرة والمعاصرة

قد لا تكون بيوت الحفر في غريان منتشرة اليوم كما كانت في الماضي، لكن قيمتها تتجاوز الاستخدام السكني المباشر. فهي تقدم درساً في كيفية بناء مساكن تستجيب للمكان، وتعيد التذكير بأن كثيراً من حلول المستقبل قد تكون موجودة بالفعل في تراث المنطقة. وفي عالم يبحث عن مدن أكثر استدامة، تبدو غريان مثالاً على أن العمارة الذكية لا تحتاج دائماً إلى تكنولوجيا معقدة؛ أحياناً يكفي أن يصغي الإنسان جيداً إلى الأرض التي يعيش عليها.