دلتا تراهن على آسيا وتؤكد عودتها المرتقبة إلى سنغافورة
دلتا تغيّر خريطة النمو: آسيا أولاً بدل المزيد من أوروبا
تتجه شركة دلتا إيرلاينز (@delta على إنستغرام) إلى إعادة رسم أولوياتها في الرحلات الطويلة، بعدما ركزت خلال المواسم الأخيرة على التوسع عبر الأطلسي نحو وجهات أوروبية ترفيهية. اليوم، تشير المؤشرات الرسمية الصادرة عن الشركة إلى أن المرحلة التالية ستكون في آسيا والمحيط الهادئ، مع تأكيد واضح من الإدارة التجارية بأن العودة إلى سنغافورة باتت مسألة وقت، حتى لو لم يُعلَن الخط الجديد رسمياً بعد.
هذا التحول لا يبدو تفصيلاً عابراً في شبكة الناقلة الأميركية، بل يعكس رهاناً استراتيجياً على أسواق الأعمال والاقتصادات الكبرى في الشرق، وهي أسواق تزداد أهميتها لشركات الطيران العالمية في ظل انتعاش السفر البعيد المدى واشتداد المنافسة على محاور آسيا الرئيسية.
سنغافورة في الطريق.. لكن الإعلان الرسمي لم يصدر بعد
المعلومة الأبرز جاءت على لسان جو إسبوزيتو، نائب الرئيس التنفيذي وكبير المسؤولين التجاريين في دلتا، الذي تؤكد صفحة سيرته الرسمية في منصة أخبار الشركة أنه يقود ملفات تخطيط الشبكة والمبيعات والعائدات والولاء. ووفق التصريحات المنسوبة إليه في التغطيات الحديثة، فإن الشركة ستعود إلى سنغافورة، من دون أن تكشف حتى الآن عن جدول التشغيل أو موعد الإطلاق النهائي.
المعطيات التشغيلية الحالية تجعل سياتل مرشحاً منطقياً لأي ربط جديد مع مطار شانغي في سنغافورة (@changiairport على إنستغرام)، خصوصاً مع تنامي استثمارات دلتا في هذا المحور الغربي. كما أن الشركة استبعدت، بحسب التغطيات الأخيرة، تشغيل هذا الخط من لوس أنجلوس في المرحلة الأولى، ما يعزز فرضية الاعتماد على سياتل كبوابة العبور الأهم نحو آسيا.
وتكتسب سنغافورة أهمية خاصة لأنها واحدة من أكثر أسواق الطيران تنافسية وربطاً في جنوب شرق آسيا. ووفق بيانات مجموعة مطار شانغي، استقبل المطار 67.7 مليون مسافر خلال 2024، بزيادة سنوية بلغت 14.8%، قبل أن تُظهر الإحصاءات اللاحقة استمرار النشاط القوي في 2025 و2026. وهذا يفسر لماذا تسعى شركات الطيران الكبرى إلى تعزيز حضورها هناك، ليس فقط لخدمة المسافرين إلى سنغافورة نفسها، بل أيضاً للربط مع شبكة واسعة داخل آسيا وأوقيانوسيا.
خطوات التنفيذ بدأت بالفعل: هونغ كونغ ومانيلا وطوكيو
الحديث عن سنغافورة لا يأتي من فراغ، لأن دلتا بدأت بالفعل تنفيذ موجة توسع آسيوية جديدة. ففي يونيو 2026 دشنت الشركة عودتها إلى هونغ كونغ عبر رحلة يومية مباشرة بين لوس أنجلوس وهونغ كونغ، وهي خطوة وصفتها الشركة بأنها عودة إلى واحد من أهم أسواقها في آسيا والمحيط الهادئ.
ثم في يوليو 2026 أعلنت دلتا إطلاق أول رحلاتها المباشرة على الإطلاق بين لوس أنجلوس ومانيلا، على أن تبدأ الخدمة في 28 مارس 2027 باستخدام طائرات Airbus A350-900. ووفق الإعلان الرسمي للشركة، ستصبح دلتا الناقل الأميركي الوحيد الذي يشغل هذا الخط المباشر بين المدينتين عند بدء الخدمة.
كذلك أكدت تحديثات الشركة الأخيرة توسيع الحضور الآسيوي انطلاقاً من الساحل الغربي، مع استعادة صلات أعمق بشبكة شمال آسيا، بما يشمل الحضور في سوق طوكيو. هذا المسار يعيد إلى الأذهان الإرث الذي ورثته دلتا بعد استحواذها على نورث ويست إيرلاينز في 2008، حين حصلت على شبكة آسيوية واسعة كانت تتمحور تاريخياً حول مطار ناريتا في اليابان.
لماذا تفضّل دلتا آسيا الآن؟
من منظور تجاري، تبدو أوروبا بالنسبة إلى دلتا سوقاً ناضجة إلى حد كبير. الشركة تمتلك بالفعل حضوراً واسعاً عبر الأطلسي، وتستفيد أيضاً من شراكات قوية مع إير فرانس وKLM وفيرجن أتلانتيك، ما يتيح لها الوصول إلى عدد ضخم من المدن الأوروبية عبر الربط غير المباشر. لذلك، فإن إضافة المزيد من الوجهات الأوروبية الجديدة لم تعد تمنح القيمة نفسها التي يمكن أن توفرها قفزة مدروسة في آسيا.
في المقابل، ترى دلتا أن الوصول إلى المراكز الاقتصادية الكبرى في القارة الآسيوية لا يزال أقل مما تطمح إليه. وهذا يعني أن الاستثمار في خطوط طويلة إلى مدن مثل سنغافورة ومانيلا وهونغ كونغ، أو تعزيز الربط مع اليابان وتايوان، قد يحقق مزيجاً من حركة الأعمال والسياحة والربط العابر.
بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة، فإن هذا التحول مهم لأن شبكات الطيران العالمية لا تتغير بمعزل عن الشرق الأوسط. كل توسع أميركي جديد نحو آسيا يعيد ترتيب المنافسة على مسارات الربط بين الخليج وشرق آسيا والولايات المتحدة، كما يدفع المطارات الإقليمية وشركات الطيران إلى إعادة تقييم عروضها للمسافرين الدوليين.
سياتل ولوس أنجلوس.. منصتا الانطلاق إلى المحيط الهادئ
أحد الفوارق الجوهرية بين دلتا اليوم ودلتا قبل عقد ونصف هو امتلاكها منصات إطلاق أقوى على الساحل الغربي، خصوصاً في سياتل-تاكوما ولوس أنجلوس. وقد أكدت الشركة في السنوات الأخيرة أنها توسع استثماراتها في هذين المحورين، سواء عبر الرحلات أو عبر المنتج الأرضي الفاخر.
في سياتل مثلاً، أعلنت دلتا سابقاً تعزيز الشبكة الدولية وإضافة مسارات بعيدة، بينها تايبيه التي انطلقت في 6 يونيو 2024. كما افتتحت الشركة صالات Delta One Lounge جديدة في الساحل الغربي، بينها منشأة حديثة في لوس أنجلوس خلال يونيو 2026، في إشارة واضحة إلى أنها تهيئ بنيتها لاستقطاب المسافر الطويل المدى عالي الإنفاق.
ماذا عن الشرق الأوسط؟ الرياض تدخل الخريطة
ورغم أن العنوان الأبرز هو آسيا، فإن دلتا لا تهمل الشرق الأوسط. فقد أعلنت الشركة رسمياً أنها ستطلق أول رحلة مباشرة لها إلى الرياض اعتباراً من 23 أكتوبر 2026، على خط أتلانتا - الرياض باستخدام طائرة Airbus A350-900. وستعمل الرحلات 3 مرات أسبوعياً، مع تشغيل يومي خلال الفترة من 23 إلى 30 أكتوبر 2026.
هذه الخطوة تضع السعودية في قلب توسع دلتا الدولي، وتمنح سوق المنطقة بعداً إضافياً في شبكة الناقلة الأميركية، خاصة مع تنامي الطلب على السفر المرتبط بالأعمال والاستثمار والسياحة في المملكة. ومن زاوية إقليمية، فإن دخول الرياض إلى خريطة دلتا يعزز وزن الشرق الأوسط كحلقة وصل بين أميركا وآسيا، لا سيما مع تسارع نمو الحركة الجوية في الخليج.
حتى أوستن تستفيد من الخطة العالمية
التوسع لا يتوقف عند آسيا أو الشرق الأوسط. دلتا أعلنت أيضاً إضافة رحلة جديدة بين أوستن وباريس تبدأ في 2027، في إشارة إلى أن الشركة لا تتخلى عن الأطلسي بالكامل، لكنها تعيد توزيع النمو بحيث تذهب الحصة الأكبر من الرهانات الجديدة إلى المحيط الهادئ.
ما الذي يعنيه ذلك للمسافرين من المنطقة؟
بالنسبة للمسافرين في مصر وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، لا تعني أخبار دلتا مجرد إضافة خطوط بعيدة في خريطة أميركية داخلية. الأثر الأهم هو أن المنافسة العالمية على ربط أميركا بآسيا تدخل مرحلة جديدة، مع احتمال ظهور خيارات أكثر تنوعاً عبر سياتل ولوس أنجلوس والرياض مستقبلاً.
- للمسافر بغرض العمل: زيادة الرحلات إلى مراكز اقتصادية كبرى مثل سنغافورة ومانيلا والرياض تعني مرونة أكبر في التخطيط.
- للمسافر الترانزيت: توسع دلتا في آسيا قد يخلق مسارات بديلة عند السفر بين الشرق الأوسط وأميركا مروراً بمحاور جديدة.
- للقطاع السياحي: عودة الخطوط الطويلة إلى آسيا تعكس ثقة متزايدة في الطلب الدولي عالي القيمة.
الخلاصة أن دلتا لا تضيف وجهات جديدة فقط، بل تعيد تعريف موقعها في المنافسة العالمية. وبعد سنوات من التركيز الكثيف على أوروبا، يبدو أن الشركة قررت أن معركة النمو المقبلة ستكون في السماء الممتدة من الساحل الغربي الأميركي إلى آسيا، مع سنغافورة كأحد أبرز العناوين المنتظرة، والرياض كأهم بوابة جديدة في منطقتنا خلال 2026.