زامة التونسية.. مدينة أثرية تروي سيرة الماء والإمبراطوريات
زامة في قلب سليانة: موقع لا يُقرأ بالحجارة وحدها
في المشهد السياحي والثقافي التونسي، تبدو زامة ريجيا في ولاية سليانة واحدة من تلك المواقع التي تجمع أكثر من قصة في مكان واحد: قصة مدينة قديمة، وقصة ماء صنع الاستقرار البشري، وقصة تراث لا يزال يُعاد اكتشافه علمياً وسياحياً. تقع زامة قرب قرية جامة في الشمال الغربي لتونس، وهي منطقة ارتبط اسمها في الأدبيات الأثرية بمدينة داخلية مهمة في تاريخ إفريقية القديمة، وواحدة من المواقع التي توثّق انتقالات متلاحقة بين العصور النوميدية والرومانية ثم الفترات اللاحقة.
وبالنسبة للقارئ المصري المهتم بحركة السياحة الثقافية في المغرب العربي، فإن زامة تقدم نموذجاً قريباً من مواقع كثيرة في الإقليم: مكان لا تقوم جاذبيته على معلم واحد ضخم فقط، بل على شبكة من الشواهد الأثرية والبيئة الطبيعية المحيطة به. هذه القيمة المزدوجة، بين التراث والماء، هي ما يمنح الموقع فرادته داخل خريطة السياحة في شمال أفريقيا.
لماذا تُعد زامة مهمة في تاريخ تونس القديم؟
تشير المعطيات العلمية والمؤسسية المتاحة إلى أن زامة ريجيا كانت من المدن التي تكررت الإشارة إليها في المصادر الكلاسيكية، كما أن أعمال الحفر والدراسات الأثرية أبرزت أهميتها ضمن مدن الداخل التونسي القديم، لا سيما بوصفها فضاءً شهد تراكماً حضارياً ممتداً. ويُستخدم اسم جامة اليوم للدلالة على القرية الحديثة المرتبطة بالموقع، وهو ما يفسر ورود الاسمين معاً في الكتابات العربية والأجنبية عن المكان.
كما ارتبط اسم زامة في الذاكرة التاريخية الأوسع بمعركة زامة الشهيرة في سنة 202 قبل الميلاد، وهي من أكثر المحطات تداولاً في تاريخ الحروب البونيقية بين روما وقرطاج. لكن من المهم التمييز بين شهرة الاسم في السرد التاريخي الكلاسيكي وبين ما يثبته علم الآثار ميدانياً في موقع زامة ريجيا الحالي بسليانة، إذ يركز الباحثون والمؤسسات التونسية اليوم على الموقع بوصفه مدينة أثرية قائمة بذاتها ذات قيمة حضرية ودينية وعمرانية.
الماء كجزء من هوية المكان
ما يجعل الحديث عن زامة مختلفاً عن مجرد استعراض للأعمدة واللقى الأثرية هو حضور الماء في صورة الموقع. فاختيار المدن القديمة لمواضعها لم يكن عشوائياً، بل ارتبط غالباً بوجود ينابيع أو موارد مائية تسمح بالحياة والزراعة والحِرَف. وفي حالة زامة، فإن الدراسات والأنشطة العلمية المرتبطة بالموقع تشير إلى وجود منشآت وحيزات عمرانية من بينها قطاع حمّامات، بما يعكس الصلة العضوية بين الاستقرار البشري وتنظيم المياه في المدينة القديمة.
هذه النقطة مهمة سياحياً أيضاً؛ فالقارئ العربي حين يسمع عن موقع أثري في سليانة قد يتوقع أطلالاً صامتة فحسب، بينما الواقع أن جغرافيا الشمال الغربي التونسي، بطبيعته الأكثر خضرة واعتدالاً مقارنة ببعض مناطق الجنوب، تضيف بعداً بصرياً ومناخياً مختلفاً. لذا فإن زامة لا تُفهم فقط كمتحف مفتوح، بل كفضاء يروي كيف بنت المجتمعات القديمة علاقتها بالماء والأرض والعبادة والتنقل.
اكتشافات حديثة أعادت زامة إلى الواجهة
خلال العامين الأخيرين، عاد اسم زامة بقوة إلى الأخبار الثقافية في تونس بفضل مشروع تعاون تونسي-إيطالي يخص الترميم والتثمين. فقد أعلنت وزارة الشؤون الثقافية التونسية والمعهد الوطني للتراث عن عرض نحو 30 قطعة أثرية مكتشفة في موقع زامة بعد ترميمها، ضمن معرض حمل عنوان “Magna Mater بين زامة وروما”، قبل أن تعود هذه القطع إلى تونس وتُعرض في المتحف الوطني بباردو.
وبحسب المعطيات الرسمية، نُقلت القطع إلى روما في إطار تعاون ثقافي بين تونس وإيطاليا، وعُرضت في الحديقة الأثرية للكولوسيوم بين 5 يونيو 2025 و5 نوفمبر 2025، ثم افتُتح عرضها في باردو خلال يناير 2026. كما ذكرت وكالة تونس أفريقيا للأنباء أن قيمة التأمين الدولي على هذه القطع أثناء نقلها بلغت 3.4 مليون يورو، في مؤشر على أهميتها الأثرية والمتحفية.
هذا التطور لا يعني فقط نجاحاً في الترميم، بل يضع زامة على خريطة أوسع للسياحة الثقافية المتوسطية، حيث تصبح المواقع الداخلية الأقل شهرة قادرة على جذب الانتباه عندما تُقدَّم ضمن سردية علمية واضحة ومعارض دولية مدروسة. وبالنسبة لأسواق السفر العربية، ومنها السوق المصرية، فإن هذا النوع من الأخبار يعزز صورة تونس كوجهة لا تختصرها الشواطئ فقط، بل تدعمها أيضاً طبقات عميقة من التراث القديم.
كيف تنظر تونس اليوم إلى الموقع؟
الخطاب الرسمي التونسي حول زامة في 2025 و2026 يركز على ثلاث نقاط: الحماية، والبحث العلمي، والترويج الثقافي. وزارة الشؤون الثقافية تحدثت في أكثر من مناسبة عن برامج صون وتثمين للمواقع الأثرية، بينما شدد مسؤولون بالقطاع على تبسيط الخطاب العلمي وتقريب التراث من الجمهور، وهي مقاربة ضرورية لمواقع مثل زامة التي تحتاج إلى تعريف أوسع عربياً ودولياً.
ومن بين المؤشرات المهمة أيضاً أن السلطات التونسية ربطت مستقبل بعض مكتشفات زامة بمشروع المتحف الجهوي في سليانة، بما يسمح مستقبلاً بإبقاء جزء أكبر من الذاكرة الأثرية داخل الجهة نفسها بدل انتقالها الدائم إلى العاصمة. هذه المقاربة مهمة تنموياً لأنها تعزز السياحة الداخلية وتوزيع الحركة الثقافية خارج المسارات التقليدية.
ماذا تعني زامة للسياحة في شمال أفريقيا؟
في التغطية السياحية العربية، كثيراً ما تحظى العواصم والمدن الساحلية بالنصيب الأكبر من الاهتمام، بينما تبقى مواقع الداخل الأقل ضجيجاً خارج الرادار رغم ثرائها. زامة مثال واضح على هذا الخلل. فالموقع يجمع بين قابلية الزيارة الميدانية، والارتباط بتاريخ متوسطي مشترك، وإمكانات السرد البصري التي تهم القارئ المعاصر: أطلال قديمة، مسارات تنقيب، قطع مستعادة من الترميم، ومشهد طبيعي يختلف عن الصورة النمطية السائدة عن تونس.
كما أن قرب زامة من فضاء أوسع غني بالمواقع الأثرية في الشمال الغربي التونسي يجعلها مرشحة للدخول ضمن برامج رحلات ثقافية تربط بين أكثر من محطة في يوم أو يومين، وهو اتجاه يلقى رواجاً بين المسافرين الباحثين عن تجارب أبطأ وأكثر عمقاً من السياحة السريعة. وبالنسبة للمصريين، الذين يملكون حساسية خاصة تجاه المواقع التاريخية والربط بين الحضارة والسفر، فإن زامة تقدم مادة جذابة لرحلة مغاربية مختلفة.
بين الينابيع واللقى الأثرية.. قصة لم تُستكمل بعد
أهم ما في زامة أنها ليست موقعاً من الماضي فقط، بل مشروعاً مفتوحاً على المستقبل. فالأعمال البحثية لا تزال تضيف طبقات جديدة إلى فهم المدينة القديمة، والتعاون الدولي في الترميم منحها دفعة جديدة، بينما يمنحها عنصر الماء والبيئة المحيطة بعداً إنسانياً يتجاوز القراءة الأكاديمية البحتة. لهذا تبدو زامة اليوم واحدة من أكثر الوجهات الواعدة في السياحة الثقافية التونسية، ليس بسبب شهرة صاخبة، بل لأن لديها ما يكفي من الأصالة لتفرض نفسها بهدوء.
وبينما تتسابق وجهات كثيرة في المنطقة على تقديم تجارب جديدة للزوار، تذكّرنا زامة بأن بعض أقوى القصص السياحية تبدأ من مكان هادئ: نبع ماء، ومدينة قديمة، وذاكرة طويلة تنتظر من يقرأها جيداً.