YallaTravel

ساحة الصقور في الموصل.. جداريات نينوى تنعش ذاكرة المدينة

ساحة الصقور في الموصل.. من نقطة عبور إلى واجهة تحكي تاريخ نينوى

تستعيد مدينة الموصل تدريجياً مكانتها على خريطة السياحة الثقافية في العراق، ومع هذا التحول برزت ساحة الصقور بوصفها أحد الفضاءات العامة التي باتت تختصر سردية المدينة الحديثة: الخروج من آثار الحرب، والعودة إلى الذاكرة، ثم إعادة تقديم التاريخ بلغة بصرية معاصرة. الساحة الواقعة في محيط باب الطوب لم تعد مجرد تقاطع حضري معروف لدى أهل الموصل، بل أصبحت نقطة تجذب الزائرين والمهتمين بالمشهد العمراني والفني في محافظة نينوى.

أهمية هذا الموقع لا تنبع فقط من شكله الحالي، بل من رمزيته داخل مدينة تحمل إرثاً استثنائياً. فالموصل هي مركز محافظة نينوى، وتقع قبالة الموقع الأثري لمدينة نينوى القديمة، إحدى أبرز حواضر العالم القديم، التي تعود جذور الاستيطان فيها إلى عصور موغلة في القدم، بينما تشكلت الموصل لاحقاً بوصفها المدينة التي واصلت الحياة بعد سقوط نينوى عام 612 قبل الميلاد. هذا التداخل بين القديم والحديث يمنح أي مشروع بصري في قلب المدينة معنى يتجاوز التجميل الحضري إلى استعادة الهوية.

جداريات تستلهم الحضارة الآشورية والذاكرة المحلية

التحول الأبرز في ساحة الصقور يتمثل في حضور الجداريات والزخارف التي تستدعي رموز حضارة نينوى وآشور، من الأشكال المستلهمة من النقوش القديمة إلى التكوينات التي تربط ماضي المدينة بحاضرها. هذه المقاربة ليست منفصلة عن موجة أوسع شهدتها الموصل خلال السنوات الأخيرة، حيث توسع استخدام الفن العام والرسوم الجدارية كوسيلة لتجميل الشوارع وبث رسائل الأمل بعد الدمار الذي خلّفه تنظيم داعش والحرب التي انتهت بتحرير المدينة في 2017.

وفي هذا السياق، وثّقت تقارير دولية ومحلية صعود مبادرات فنية شبابية في الموصل استبدلت آثار الخراب والكتابات المتطرفة بأعمال لونية تعبر عن التراث والهوية والانتماء. كما أن الاهتمام بالفن الجداري في نينوى لم يعد نشاطاً هامشياً، بل صار جزءاً من خطاب أوسع حول استعادة الفضاء العام وإعادة ربط السكان بتاريخ مدينتهم.

الموصل بعد الحرب.. كيف صار التراث أداة للتعافي؟

من الصعب قراءة ساحة الصقور بعيداً عن مسار تعافي الموصل كله. ففي فبراير 2018 أطلقت اليونسكو مبادرة إحياء روح الموصل بالتعاون مع الحكومة العراقية، لتكون واحدة من أكبر حملات إعادة الإعمار الثقافي التي نفذتها المنظمة في العقود الأخيرة. لم تقتصر المبادرة على ترميم المعالم الدينية والتاريخية، بل استهدفت أيضاً إعادة تنشيط الحياة الثقافية والتعليمية والمهنية في المدينة.

وبحسب تحديثات اليونسكو، شارك آلاف العراقيين في برامج التدريب المرتبطة بالترميم والمهارات التراثية ضمن هذا المسار، وهو ما يعكس فكرة أساسية: أن إعادة بناء الموصل لا تتعلق بالحجر وحده، بل بإحياء العلاقة بين السكان وفضائهم التاريخي. ومن هنا تكتسب الساحات العامة والجداريات والمشاريع البصرية في المدينة قيمة إضافية، لأنها تترجم التعافي في صورة يمكن للناس مشاهدتها يومياً ولمس أثرها المباشر.

لماذا تهم ساحة الصقور القارئ المصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر، تحمل هذه القصة بعداً إقليمياً واضحاً. فكما ترتبط القاهرة ومدن مصر بتاريخ ممتد تُعاد قراءته باستمرار عبر الترميم والتطوير الحضري، تقدم الموصل مثالاً عربياً آخر على كيفية توظيف الذاكرة التاريخية في دعم السياحة واستعادة الثقة بالمدينة. كما أن الاهتمام المتزايد في المنطقة بالسياحة الثقافية يجعل من الموصل ونينوى ملفاً يستحق المتابعة، لا سيما مع عودة الحركة إلى أسواقها القديمة ومحيط معالمها الشهيرة.

ومن الناحية السياحية، فإن زيارة الموصل اليوم لا تُختزل في المعالم الكبرى وحدها، مثل جامع النوري ومنارة الحدباء أو آثار نينوى، بل تشمل أيضاً تفاصيل المشهد الحضري الجديد: الساحات، الممرات، الجداريات، والأسواق التي تعكس نبض الحياة اليومية. هذه العناصر هي التي تصنع غالباً تجربة الزائر المعاصر، خصوصاً الباحث عن مدن تمتلك قصة حقيقية لا مجرد مواقع أثرية صامتة.

باب الطوب وساحة الصقور.. قلب نابض للحركة المحلية

وجود ساحة الصقور قرب باب الطوب يمنحها ثقلاً إضافياً، لأن هذه المنطقة تعد من أشهر نقاط الحركة في الموصل، وترتبط بالأسواق والتنقل والذاكرة الشعبية. كما أن الصور الحديثة المتاحة من محيط باب الطوب، بما في ذلك جامع باب الطوب الموثق بصور منشورة في 21 فبراير 2025، تعكس بوضوح حيوية هذا الجزء من المدينة وعودته إلى المشهد اليومي بعد سنوات صعبة.

ومن هنا يمكن فهم الساحة بوصفها أكثر من عنصر تجميلي؛ فهي جزء من إعادة تعريف مركز الموصل نفسه. حين تُدمج الجداريات المستوحاة من حضارة نينوى في نسيج حضري حيّ، فإن الرسالة تصبح مباشرة: المدينة لا تنفصل عن تاريخها، لكنها لا تتجمد فيه أيضاً. بل تعيد صياغته بما يناسب الحاضر ويخاطب الأجيال الجديدة.

ما الذي يميز التجربة الموصليّة؟

  • الربط بين الأثر والمدينة الحية: فالموصل ليست متحفاً مفتوحاً فقط، بل مدينة مأهولة تعيد إنتاج ذاكرتها في الحياة اليومية.
  • استخدام الفن العام: الجداريات هنا ليست زينة عابرة، بل وسيلة لإعادة بناء الصورة الذهنية للمدينة.
  • قيمة الموقع: قرب الساحة من باب الطوب يمنحها حضوراً شعبياً وسياحياً في آن واحد.
  • الامتداد الإقليمي: نجاح الموصل في هذا المسار يهم المشهد الثقافي العربي كله، بما فيه المتابع المصري المعني بتجارب إحياء المدن التاريخية.

سياحة الذاكرة.. رهان الموصل الجديد

اللافت أن التعافي في الموصل لا يسير فقط عبر المشاريع الكبرى، بل كذلك من خلال مساحات متوسطة الحجم مثل ساحة الصقور، حيث يمكن للزائر أن يقرأ في الجدار حكاية مدينة قاومت المحو. وهذا ما يجعل السياحة في الموصل أقرب إلى سياحة ذاكرة وهوية، لا مجرد تنقل بين مواقع أثرية.

في السنوات المقبلة، قد تصبح مثل هذه الساحات علامات أساسية في المسار السياحي داخل نينوى، خاصة إذا اقترنت بخدمات أفضل، ومسارات زيارة واضحة، وترويج أوسع على المستوى العربي. وبالنسبة لمدينة عانت كثيراً من التدمير، فإن تحويل الفضاء العام إلى منصة للفن والتاريخ يعد مؤشراً مهماً على أن النهضة الحقيقية تبدأ حين تستعيد المدينة قدرتها على رواية قصتها بنفسها.

وهكذا، تبدو ساحة الصقور في الموصل مثالاً مكثفاً على عراق يسعى إلى ترميم ذاته عبر الثقافة. بين جداريات تستحضر نينوى، وموقع نابض في باب الطوب، وسياق أوسع من إعادة الإعمار الثقافي، تتشكل أمام الزائر صورة مدينة لا تنكر جراحها، لكنها ترفض أن تبقى أسيرة لها.