YallaTravel

قالمة تفتح ملف السياحة الحموية بخبرات دولية وخطط استثمار

قالمة تراهن على الينابيع الحارة لصناعة تجربة سفر مختلفة

عادت السياحة الحموية في الجزائر إلى واجهة الاهتمام هذا الأسبوع مع احتضان ولاية قالمة المنتدى الوطني للسياحة الحموية يومي 26 و27 أكتوبر 2026، بمشاركة أكثر من 200 فاعل من القطاع، في خطوة تعكس توجها رسميا لإعادة تقديم الحمامات المعدنية والوجهات العلاجية بوصفها منتجا سياحيا متكاملا، لا مجرد خدمة استشفائية موسمية.

المنتدى افتتحته وزيرة السياحة والصناعة التقليدية حورية مداحي في فندق مرمورة ببلدية قالمة، بحضور والي الولاية سمير شيباني، إلى جانب خبراء جزائريين وأجانب وممثلي بعثات دبلوماسية، بينهم سفيرا فلسطين وفيتنام، إضافة إلى ممثلين عن الحرفيين ووكالات السفر والهيئات المحلية. ووفقا للمعطيات الرسمية، ضم البرنامج عرضا تعريفيا بالوجهة الحموية الجزائرية، ثم مداخلات متخصصة وجلسات نقاشية تناولت واقع القطاع وآفاق تطويره.

ما الذي نوقش داخل المنتدى؟

المحور الأوضح في اللقاء كان كيفية نقل العلاج بالمياه المعدنية من نشاط محلي معروف داخل الجزائر إلى منتج أكثر قدرة على المنافسة إقليميا. الجلسات العلمية، بحسب ما أعلنته السلطات المحلية، تطرقت إلى تبادل الخبرات وعرض تجارب دولية، مع مشاركة خبراء من إيطاليا والصين وأذربيجان إلى جانب مختصين جزائريين، وهي تركيبة تمنح المنتدى بعدا عمليا أكثر من كونه مناسبة بروتوكولية فقط.

كما شهدت الفعاليات تنظيم ثلاث موائد مستديرة وعدة مداخلات متخصصة، في إشارة إلى أن النقاش لم يقتصر على الترويج، بل امتد إلى أسئلة مرتبطة بجودة الخدمات، واستقطاب الاستثمار، ودمج الصناعة التقليدية والسياحة الداخلية في التجربة الحموية. هذا الربط مهم جدا بالنسبة للقارئ المصري والعربي، لأن نجاح الوجهات العلاجية اليوم لا يعتمد على المياه المعدنية وحدها، بل على باقة متكاملة تشمل الإقامة، وسهولة الوصول، والنظافة، والخدمات الطبية المساندة، والأنشطة الثقافية والطبيعية.

قالمة.. لماذا تتصدر المشهد الحَمَوي في الجزائر؟

اختيار قالمة لاستضافة المنتدى لم يأت من فراغ. فالولاية تعد من أبرز الأقاليم الجزائرية المرتبطة بالينابيع الحارة، وتروّج منصتها السياحية الرسمية لمسار حموي يضم 13 منبعا حمويا موزعة على 5 بلديات، منها 12 منبعا مستغلا بطرق عصرية أو تقليدية. وتشير البيانات نفسها إلى أن الولاية تستقبل قرابة 300 ألف زائر سنويا لحماماتها ومحطاتها الحموية.

ومن بين أبرز مواقعها حمام دباغ، الذي يمثل أحد أشهر الأسماء حين يُذكر العلاج الحراري في شرق الجزائر. وتصفه المصادر المحلية الرسمية بأنه نقطة جذب رئيسية في الولاية، بينما يُعد شلال حمام دباغ من أشهر المعالم الطبيعية هناك، ويقع على بعد نحو 22 كيلومترا من مركز مدينة قالمة. لذلك لم يكن مستغربا أن تتضمن الزيارة الميدانية للوفد الرسمي محطة في حمام دباغ لعرض إمكانات الدمج بين الطبيعة والعلاج والاستجمام.

منصة للاستثمار وليس للنقاش فقط

الرسالة الاقتصادية في المنتدى كانت واضحة: السياحة الحموية يمكن أن تصبح رافعة تنمية محلية. وزارة السياحة الجزائرية تربط هذا المسار ضمن خطة أوسع للسنوات 2026-2028، فيما أشار الديوان الوطني للسياحة إلى أن الاستراتيجية الوطنية تستهدف استقبال 8 ملايين سائح بحلول 2029. ضمن هذا الإطار، تُطرح السياحة الحموية كواحدة من المنتجات التي تخدم السياحة الداخلية والسياحة الوافدة معا.

في قالمة تحديدا، تبدو المعادلة أكثر وضوحا: موارد طبيعية معروفة، طلب محلي قائم بالفعل، وحاجة إلى رفع مستوى البنية والخدمة والتسويق. وتشير بيانات محلية سابقة إلى وجود مناطق مهيأة للاستثمار السياحي في محيط حمام دباغ، كما أُنجزت في الولاية خلال السنوات الأخيرة منشآت فندقية ذات طابع حموي رفعت الطاقة الاستيعابية للمنشآت السياحية.

  • تطوير المنتج: تحويل الحمام المعدني من زيارة علاجية قصيرة إلى إقامة متكاملة.
  • رفع الجودة: تحسين الإيواء والخدمة والنظافة وتجربة الزائر.
  • التسويق الذكي: تقديم قالمة كوجهة استشفاء وطبيعة وثقافة في آن واحد.
  • الاستثمار المحلي: خلق فرص عمل جديدة في الفنادق والنقل والحرف والخدمات.

الحرف التقليدية تدخل على الخط

من الملامح اللافتة في المنتدى أن البرنامج لم يفصل بين السياحة الحموية والصناعة التقليدية. المعرض المصاحب ضم منتجات محلية مثل الزيوت الطبيعية والصابون والفخار وإكسسوارات الحمامات المعدنية المصنوعة من النحاس، إلى جانب حلويات تقليدية. هذه الإضافة قد تبدو جانبية، لكنها في الحقيقة جزء من منطق التجربة السياحية الحديثة: الزائر لا يبحث فقط عن العلاج، بل عن قصة مكان وهوية ومنتجات يلمسها ويشتريها ويتذكرها بعد العودة.

وبالنسبة لقراء مصر، تبدو الفكرة قريبة من نجاح بعض الوجهات التي تمزج العلاج الطبيعي بالمشهد المحلي، سواء عبر المنتجات التراثية أو المطبخ أو الطبيعة المحيطة. هذا النوع من الدمج هو ما يصنع الفرق بين “مرفق استشفائي” و”وجهة ملهمة” تستحق السفر من أجلها.

شلال حمام دباغ.. الواجهة البصرية الأقوى

إذا كان المنتدى قد فتح باب النقاش المؤسسي، فإن شلال حمام دباغ يبقى الصورة الأوضح التي يمكن أن تحمل هوية قالمة إلى الخارج. فالسلطات المحلية تعتبره أيقونة السياحة في الولاية، وزاره الوفد الرسمي خلال اليوم الأول من الفعاليات بوصفه أحد أبرز المواقع الطبيعية الداعمة لجاذبية الوجهة الحموية. وجود معلم بصري قوي كهذا يمنح أي استراتيجية ترويجية نقطة انطلاق مهمة، لأن السياحة العلاجية تحتاج دائما إلى عنصر إلهام بصري يترجمها إلى رغبة فعلية في السفر.

ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل السياحة العلاجية عربيا؟

أهمية ما جرى في قالمة تتجاوز الجزائر نفسها. فالسوق العربية تشهد اهتماما متزايدا بالرحلات المرتبطة بالعافية والاستشفاء، خاصة حين تكون أقرب جغرافيا وأقل تكلفة من الوجهات الأوروبية. وإذا نجحت الجزائر في تطوير خدماتها الحموية وربطها بفنادق جيدة ونقل أسهل وترويج موجه، فقد تصبح بعض مناطقها، وعلى رأسها قالمة، خيارا مطروحا أمام مسافرين من شمال أفريقيا والمنطقة العربية، بمن فيهم الباحثون من مصر عن تجارب جديدة تمزج الطبيعة بالعلاج والهدوء.

الخلاصة أن المنتدى الوطني للسياحة الحموية في قالمة لم يكن مجرد مناسبة لعرض ما تملكه الجزائر من ينابيع ساخنة، بل محاولة لرسم خارطة طريق تجعل من هذا المورد الطبيعي صناعة سفر أكثر نضجا. وبين الأرقام الرسمية، والمداخلات الدولية، والرهان على مواقع مثل حمام دباغ، تبدو الرسالة واضحة: الجزائر تريد أن تحوّل مياهها الحارة إلى تجربة سياحية متكاملة تستحق أن تُكتشف.