قرطاج تراهن على السماء: تونس تطلق موسمًا جديدًا للسياحة البديلة
تونس تفتح ملف السياحة البديلة من بوابة قرطاج
في وقت تتسابق فيه وجهات شمال أفريقيا على توسيع عروضها خارج النموذج التقليدي القائم على الشواطئ والفنادق، أعلنت تونس يوم 9 أكتوبر 2026 عن تفاصيل الدورة الثانية من Carthage Event Shows 2026، وهو حدث سياحي وثقافي وجوي يمتد من 23 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 2026. المبادرة، التي قُدمت في مؤتمر صحفي بالعاصمة تونس، تطرح نفسها كرهان عملي على السياحة البديلة عبر مزج التراث بالعروض الجوية والموسيقى والتنقل بين أكثر من وجهة تونسية.
وبحسب المعطيات المعلنة، يحمل الحدث شعار «ملحمة قرطاج: من سواحل الشمال إلى أبواب الصحراء»، في إشارة واضحة إلى مسار جغرافي وثقافي يربط قرطاج بمدن داخلية وجنوبية مثل زغوان وتوزر ونفطة وجرجيس-مدنين/جربة-مدنين. هذا التصور لا يقدم الفعالية كعرض ترفيهي معزول، بل كأداة لإعادة تسويق تونس بوصفها وجهة تتجاوز السياحة الموسمية المعتادة.
ما الذي نعرفه عن البرنامج حتى الآن؟
المؤكد رسميًا أن الانطلاقة ستكون من قرطاج، مع تركيز واضح على المناطيد والعروض الجوية بوصفها القلب البصري للحدث. كما يتضمن البرنامج عروضًا موسيقية وفنية، على أن يشارك في الافتتاح الفنان اللبناني راغب علامة، بينما أُعلن أيضًا عن حضور أسماء دولية في الفقرات الموسيقية مثل Mahmut Orhan وFrancis Mercier.
المنظمون يراهنون خصوصًا على مشاهد الإضاءة الليلية للمناطيد في سماء قرطاج، إلى جانب محطات لاحقة في الجنوب التونسي، وهي مناطق تمتلك بالفعل مقومات بصرية وسياحية قوية بفضل المشاهد الصحراوية والواحات والعمق التراثي. وبالنسبة للقارئ المصري، فإن هذا النوع من الفعاليات يقترب من تجارب الجذب التي تصنع قيمة مضافة للرحلة نفسها، لا للوجهة فقط؛ أي أن الحدث يتحول إلى سبب مستقل للسفر، وليس مجرد نشاط جانبي ضمن برنامج زيارة تقليدي.
شركاء الحدث ودلالات التنظيم
تشير البيانات المنشورة إلى أن الفعالية تُنظم تحت إشراف أو بالشراكة مع وزارة السياحة التونسية ووزارة الشؤون الثقافية والجمعية التونسية للطيران، إلى جانب NADAS GROUP وشركاء من القطاع السياحي، من بينهم الجامعة التونسية لوكالات الأسفار والسياحة. كما يبرز على المنصات التعريفية للحدث دور الديوان الوطني التونسي للسياحة ضمن الشركاء والداعمين.
هذه الشراكات مهمة لأنها تعكس انتقال الفكرة من مجرد عرض جوي إلى مشروع ترويجي أوسع، يربط بين المؤسسات الرسمية والفاعلين في النقل والفندقة والتسويق والخدمات المحلية. ومن منظور إقليمي، فإن ذلك ينسجم مع اتجاه متصاعد في بلدان المغرب العربي نحو الاستثمار في السياحة التجريبية، التي تمنح الزائر تجربة قابلة للمشاركة رقميًا وتحقق للوجهة انتشارًا يتجاوز الإعلان التقليدي.
امتداد لتجربة 2025 وليس حدثًا منفصلًا
الموقع التعريفي للفعالية يوضح أن Carthage Event Shows 2026 يبني على تجربة Balloons Event Show Tunisia 2025، التي تمحورت حول جربة ودوز وتوزر. كما يشرح أن المشروع تنظمه الجمعية التونسية للطيران، وهي هيئة تأسست عام 2013 بمبادرة من مهندسين وطيارين وهواة طيران.
هذا الامتداد يفسر لماذا تبدو نسخة 2026 أكثر اتساعًا من حيث السردية والمسار: لم يعد التركيز على الجنوب وحده، بل على ربط قرطاج، بما تحمله من رمزية تاريخية، بوجهات الجنوب التي تمثل الخزان الأهم للسياحة الصحراوية في تونس. والنتيجة المتوقعة هي خلق مسار سياحي متعدد المحطات، يمكن أن يخاطب الزائر العربي والأوروبي معًا.
لماذا تبدو هذه الخطوة مهمة اقتصاديًا؟
أهمية الحدث لا تتعلق فقط بالعرض البصري. فالسياحة التونسية تدخل هذه المبادرة وهي قادمة من مؤشرات قوية: وزارة السياحة التونسية أعلنت أن البلاد تجاوزت 11 مليون سائح في 2025، فيما أفادت بيانات نقلتها وكالة TAP بأن الإيرادات السياحية خلال 2025 بلغت نحو 8.0969 مليار دينار تونسي. كما أشارت بيانات البنك المركزي التونسي المنشورة عبر TAP إلى أن تحويلات العمل وعائدات السياحة المجمعة تجاوزت 13.2 مليار دينار بنهاية الأشهر التسعة الأولى من 2026.
في هذا السياق، تبدو الفعاليات من نوع Carthage Event Shows جزءًا من سياسة أوسع لتثبيت الزخم، لا سيما عبر تحريك الطلب على وجهات داخلية وخارج موسم الذروة الساحلي. كما أن بيانات المعهد الوطني للإحصاء في تونس تُظهر أن القيمة المضافة المباشرة للسياحة بلغت 7.8445 مليار دينار في 2024، بما يعادل 5.2% من إجمالي القيمة المضافة، وهو ما يفسر حساسية القطاع لأي مبادرة قادرة على توسيع الإنفاق السياحي مكانيًا وزمنيًا.
ماذا يعني ذلك للقارئ في مصر؟
بالنسبة للمسافر المصري المهتم بمتابعة اتجاهات السفر في المنطقة، فإن ما يجري في تونس يلفت النظر لسببين. الأول أن المنافسة في شمال أفريقيا لم تعد قائمة فقط على السعر أو الطقس، بل على بناء قصة سفر تجمع بين الثقافة والحدث والمشهد الطبيعي. والثاني أن المنطقة ككل، من مصر إلى تونس والمغرب، باتت تختبر أشكالًا جديدة من الترويج السياحي تعتمد على الصور الجوية والتجارب المفتوحة والفعاليات القابلة للانتشار على المنصات الرقمية.
ومن هنا، فإن نجاح نسخة 2026 قد يمنح تونس ورقة إضافية في سوق السياحة الإقليمية، خصوصًا لدى المسافرين الباحثين عن تجارب قصيرة ومكثفة تجمع بين المدن التاريخية والفضاءات الصحراوية. كما أن ربط قرطاج بالجنوب يمنح الحدث بعدًا رمزيًا يتجاوز الفرجة، إذ يعيد تقديم الجغرافيا التونسية نفسها كمنتج سياحي متكامل.
بين التراث والسماء: أين تتجه الفكرة؟
اللافت في الخطاب المحيط بالفعالية أنه لا يضع المناطيد والطائرات الشراعية في خانة الاستعراض فقط، بل في خانة إعادة تعريف الوجهة. فبدل أن تبقى قرطاج عنوانًا أثريًا صرفًا، أو يبقى الجنوب التونسي مرادفًا حصريًا للواحات والصحراء، تحاول هذه التظاهرة جمع هذه العناصر داخل تجربة واحدة: تاريخ، موسيقى، حركة، وسماء مفتوحة.
ولأن الحدث يأتي بدعم مؤسسات رسمية وشركاء من قطاع السفر، فإن الرهان الحقيقي سيكون على القدرة التنظيمية والاستمرارية بعد دورة 2026. فإذا تحققت المعادلة بين الصورة الجذابة والعائد السياحي الفعلي، فقد تتحول التظاهرة إلى موعد سنوي ثابت ضمن أجندة السياحة الثقافية والبديلة في المغرب العربي.
- تاريخ الإعلان: 9 أكتوبر 2026.
- موعد الفعالية: من 23 أكتوبر إلى 2 نوفمبر 2026.
- أبرز المحطات المعلنة: قرطاج، زغوان، توزر، نفطة، ومدنين/جربة.
- أبرز العناصر: مناطيد، طائرات شراعية، عروض موسيقية، وتنشيط للمسار السياحي بين الشمال والجنوب.
الخلاصة أن تونس لا تقدم هنا مجرد مهرجان جديد، بل اختبارًا جادًا لفكرة السياحة البديلة في المنطقة. وإذا كان البحر ما زال عنصر الجذب الأشهر في البلاد، فإن سماء قرطاج والجنوب قد تصبح، خلال الأسابيع المقبلة، عنوانًا جديدًا في حملة تونس لبيع تجربة أكثر تنوعًا وجرأة.