قرية في إستونيا تصير «مملكة سيتو» ليوم واحد كل صيف
قرية صغيرة تتحول إلى مملكة رمزية ليوم واحد
في مشهد يبدو أقرب إلى احتفال تراثي حيّ منه إلى فعالية سياحية تقليدية، تتحول قرية ميكيتاماى في إقليم سيتوما بجنوب شرق إستونيا إلى «مملكة سيتو» ليوم واحد كل صيف. الحدث ليس مجرد مهرجان فولكلوري، بل مناسبة سنوية يلتقي فيها أبناء شعب سيتو مع الزوار للاحتفاء باللغة المحلية والموسيقى والحرف والطعام والرموز الثقافية التي تميز هذه الجماعة الحدودية ذات الجذور العميقة في المنطقة.
وبحسب منصات السياحة الرسمية في سيتوما وإستونيا، فإن هذا اليوم يُعرف باسم Seto Kingdom Day أو يوم مملكة سيتو، وهو تقليد مستمر منذ 1994. وفي نسخة 2026 أُقيم الحدث يوم 1 أغسطس 2026 في قرية ميكيتاماى نفسها، بعد أن كان يتنقل بين قرى سيتو الكبرى في أعوام سابقة.
ما الذي يحدث في «مملكة سيتو»؟
خصوصية هذا اليوم تكمن في أنه يمنح الزوار تجربة رمزية كاملة لدخول «مملكة» ثقافية لها طقوسها وشعاراتها ونظامها الاحتفالي الخاص. وتتحدث المواد التعريفية الرسمية عن أجواء تشمل استخدام عملة سيتو الرمزية، واستقبال الزوار بما يشبه التأشيرات أو تصاريح الدخول التذكارية، إلى جانب مسابقات لاختيار أفضل صنّاع الأطعمة والمشروبات المحلية والحرفيين والموسيقيين والراقصين.
ذروة اليوم تكون مع اختيار الـ«أوليمسوتسكا»، وهو الممثل السنوي لشعب سيتو والناطق باسمه في هذا الإطار الرمزي. ووفق الشروح المنشورة عن تقاليد سيتو، فإن هذا المنصب يحمل مكانة معنوية كبيرة بوصفه الامتداد الاحتفالي لصوت المجتمع المحلي، فيما تُختتم الفعاليات عادة بعرض عسكري رمزي واحتفال مسائي بالموسيقى والرقص.
برنامج 2026: من الافتتاح إلى العرض العسكري الرمزي
البرنامج الرسمي المنشور لنسخة 1 أغسطس 2026 في ميكيتاماى أظهر يوماً حافلاً يبدأ في الصباح باستقبال المشاركين في مسابقات الطعام والشراب والأشغال اليدوية، ثم صلاة في كنيسة القرية الصغيرة، قبل إعلان افتتاح المملكة عند الظهيرة. وبعد ذلك تتوالى فعاليات التذوق والتحكيم والعروض على المسرح الرئيسي، وصولاً إلى خطاب الزعيم المنتخب الجديد ثم إعلان أبطال «المملكة» وأخيراً الاستعراض العسكري الرمزي مساءً، قبل حفل ختامي تحييه فرقة Zetod (@zetodmusic على إنستغرام).
وللقارئ المصري، قد تبدو الفكرة قريبة من المهرجانات التي تعيد إحياء هوية محلية بعناصر معيشة من الطعام والزي والموسيقى، لكن الفارق هنا أن الحدث يُقدَّم كـ«مملكة مؤقتة» مكتملة الرموز ليوم واحد، ما يجعله واحداً من أكثر الأحداث الثقافية تميزاً في شمال شرق أوروبا.
من هم شعب سيتو؟
شعب سيتو هو أقلية إثنية ولغوية تعيش تاريخياً في المنطقة الحدودية بين جنوب شرق إستونيا ومنطقة بيتشوري الواقعة اليوم داخل روسيا. وتصفهم المواقع الرسمية الإستونية بأنهم جماعة من أصول فينية-أوغرية، حافظت على لهجتها وعاداتها ولباسها التقليدي وطقوسها الاجتماعية والدينية عبر قرون.
ويُعد إقليم سيتوما نفسه منطقة ثقافية متمايزة داخل إستونيا، وهو ما يفسر لماذا يتحول يوم المملكة إلى مناسبة جامعة لأبناء المجتمع المحلي وزواره. وتُظهر بيانات هيئة الإحصاء الإستونية الخاصة بتعداد 2021 ارتفاع الاهتمام باللهجات المحلية في البلاد، بينما أشارت تغطيات حديثة للحدث إلى أن عدد القادرين على التحدث بلهجة سيتو يبلغ نحو 25 ألف شخص وفق بيانات التعداد، رغم أن الاستخدام اليومي الفعلي أقل من ذلك بكثير.
الغناء الذي حمى الهوية
من أبرز ما يميز هذا المجتمع تقليد «لييلو»، وهو الغناء البوليفوني السيتوي الذي أدرجته اليونسكو ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي للبشرية في 2009. وتوضح اليونسكو أن هذا الغناء ليس مجرد لون موسيقي، بل أحد أعمدة الهوية المعاصرة لشعب سيتو، لأنه ينتقل بين الأجيال بوصفه أداة للذاكرة الجماعية والتعبير الاجتماعي.
ولهذا لا يُنظر إلى يوم المملكة باعتباره مجرد عرض للتراث أمام السياح، بل باعتباره مساحة عملية لممارسة هذا التراث على الأرض: غناءً، ولباساً، وأطعمة، ومنافسات، ولغةً أيضاً.
لماذا تستحق ميكيتاماى المتابعة سياحياً؟
تقع ميكيتاماى داخل بلدية سيتوما في مقاطعة فورو، وتبرز كوجهة مناسبة لمن يبحثون عن سياحة ثقافية مختلفة بعيداً عن المسارات الأوروبية الأشهر. وتذكر المصادر السياحية المحلية أن القرية تضم أيضاً معالم مرتبطة بالتراث الأرثوذكسي، منها كنائس خشبية صغيرة تاريخية، فيما يمنحها موقعها الحدودي طابعاً يمزج بين الغرب والشرق في آن واحد.
هذا النوع من السياحة قد يهم القارئ العربي عموماً والمصري خصوصاً لأنه يبتعد عن الصورة الكلاسيكية للسفر إلى أوروبا بوصفه جولات مدن كبرى ومتاحف فقط. هنا نحن أمام نموذج يعتمد على الهوية المحلية الحية: مجتمع صغير يحول عاداته إلى تجربة مشاهدة ومشاركة، من دون أن يفقدها معناها الأصلي.
هل هي فعالية سياحية أم إعلان هوية؟
الإجابة الأقرب أنها الاثنان معاً. فالمواد الرسمية الصادرة عن Visit Setomaa (@setokuningriik ذُكر حساب الحدث رسمياً على إنستغرام) وVisit Estonia تقدم يوم المملكة كأحد أبرز الأحداث الثقافية في جنوب شرق إستونيا، لكن مضمون الفعاليات نفسه يكشف أن المسألة أعمق من جذب الزوار. اختيار الممثل السنوي، والغناء الجماعي، ومسابقات الطعام التقليدي، والعرض الرمزي للجيش السيتوي، كلها عناصر تشير إلى رغبة مجتمع صغير في تأكيد حضوره داخل دولة حديثة وحدود متغيرة.
- تاريخ مستمر: الاحتفال قائم منذ 1994.
- موعد حديث مؤكد: نسخة 2026 أُقيمت يوم 1 أغسطس في ميكيتاماى.
- هوية حية: الحدث يتمحور حول اللغة والطعام والحرف والغناء.
- تراث عالمي: غناء لييلو السيتوي مدرج لدى اليونسكو منذ 2009.
- طابع فريد: «تأشيرات» رمزية وعملة خاصة وزعيم يُنتخب ليوم المملكة.
زاوية تهم القارئ المصري
وسط سباق الوجهات على تقديم تجارب متشابهة، تبدو قصة ميكيتاماى مثالاً لوجهة أوروبية صغيرة نجحت في تحويل تراثها المحلي إلى حدث قابل للتصوير والزيارة والتذكر. بالنسبة للمصريين المهتمين بالسفر الثقافي أو بالقصص الإنسانية خارج العواصم المعتادة، فإن «مملكة سيتو» تقدم نموذجاً مختلفاً: قرية هادئة تتحول ليوم واحد إلى مسرح حي للهوية.
وربما هذا هو سر جاذبية الحدث: أنه لا يدّعي أنه دولة فعلية، لكنه ينجح في جعل الزائر يشعر بأنه دخل عالماً له لغته وطقوسه وموسيقاه وحتى «نقوده» الخاصة. في زمن السياحة السريعة، تبدو هذه التجربة تذكيراً بأن أكثر الحكايات إثارة قد تولد أحياناً في قرية صغيرة على هامش الخريطة.