كيف يحوّل «بروجكت هيو» صيادي القروش إلى حماة للبحر
عندما تصبح السياحة البيئية بديلاً حقيقياً للصيد الجائر
في كثير من القصص المرتبطة بحماية الحياة البحرية، يظهر الصياد غير القانوني أو صياد القروش في دور الخصم. لكن في شرق لومبوك بإندونيسيا، هناك تجربة مختلفة تقلب هذه الصورة رأساً على عقب. فبدلاً من الاكتفاء بإدانة المجتمعات التي تعيش من الصيد، يراهن مشروع Project Hiu على منحها فرصة اقتصادية بديلة، بحيث يتحول من كانوا جزءاً من أزمة البيئة البحرية إلى طرف فاعل في حمايتها.
هذا النموذج تقوده صانعة الأفلام والناشطة الأسترالية ماديسون ستيوارت (@sharkgirlmadison على إنستغرام)، التي أسست المشروع بعد احتكاك مباشر مع تجارة القروش في إندونيسيا. الفكرة الأساسية بسيطة لكنها شديدة التأثير: إذا كان الدخل هو ما يدفع بعض الصيادين إلى الاستمرار في صيد القروش، فإن توفير دخل بديل من السياحة البيئية قد يغيّر المعادلة بالكامل.
ما هو «بروجكت هيو»؟
اسم المشروع مشتق من كلمة Hiu، وهي كلمة تعني «قرش» بالإندونيسية. ويعمل المشروع في لومبوك على توظيف قوارب صيد القروش نفسها، مع أطقمها المحليين، في رحلات بحرية وأنشطة سياحية وتجارب تعليمية مرتبطة بالطبيعة البحرية. وبهذه الطريقة، لا يُطلب من الصياد أن يتخلى عن رزقه من دون بديل، بل يُعرض عليه مسار جديد يقوم على الدخل المستدام واحترام النظام البيئي.
بحسب الموقع الرسمي للمشروع، توسعت المبادرة لتصبح أسطولاً متنامياً من قوارب صيد القروش المُعاد توظيفها في السياحة، كما أعلن المشروع أنه ساهم خلال عام 2025 في إنقاذ أكثر من 2700 قرش عبر هذا التحول في نمط العمل. ويشير أيضاً إلى تشغيل عشرات الصيادين السابقين، وإطلاق مبادرات موازية تشمل التعليم والمياه النظيفة والدعم المجتمعي.
من قوارب الصيد إلى رحلات توعوية
الرحلات التي ينظمها المشروع لا تُسوَّق باعتبارها نزهة بحرية فقط، بل كخبرة تتيح للزوار رؤية جانب معقّد من العلاقة بين الإنسان والبحر. بعض هذه الرحلات يتم على متن قوارب كانت تُستخدم سابقاً في صيد القروش، وهو ما يمنح التجربة بعداً رمزياً واضحاً: الأداة نفسها انتقلت من استنزاف الحياة البحرية إلى المساهمة في حمايتها.
ومن الناحية السياحية، ينسجم هذا التوجه مع ما يبحث عنه كثير من المسافرين اليوم، خصوصاً من يفضّلون السفر المسؤول والأنشطة التي تترك أثراً إيجابياً على المجتمعات المحلية. بالنسبة للقارئ المصري، قد تبدو الفكرة قريبة من نماذج محلية أو إقليمية تعتمد على تحويل الموارد الطبيعية من مصدر استنزاف إلى مصدر إلهام وتنمية، خصوصاً في الوجهات الساحلية التي تتوازن فيها البيئة مع الرزق اليومي.
لماذا تُعد التجربة ملهمة؟
أهمية التجربة لا تكمن فقط في حماية القروش، بل في الطريقة التي تعيد بها تعريف مفهوم الحماية نفسه. فالمشروع لا ينطلق من منطق العقاب أو الوصم، بل من الاحتواء الاقتصادي والاجتماعي. هذا النهج مهم لأن المجتمعات الساحلية التي تعتمد على الصيد لا يمكن مطالبتها بحماية البحر إذا كانت لا تملك بديلاً واضحاً يوفر الطعام والتعليم والأمان.
وتوضح الصفحات الرسمية للمشروع أن أثره لم يتوقف عند الرحلات السياحية. إذ جرى تنفيذ مبادرات خدمية داخل المجتمع المحلي، من بينها إنشاء نظام لتوفير مياه الشرب في مدرسة أبناء الصيادين، إضافة إلى دعم التعليم وإرسال صيادَين سابقَين إلى الجامعة لخلق فرص مهنية خارج دائرة الصيد. كما يتحدث المشروع عن بناء مرافق مدرسية وتحسين الظروف الأساسية للأطفال والعائلات.
أزمة أكبر من مجرد قصة محلية
تأتي هذه التجربة في سياق أوسع يتعلق بأوضاع القروش عالمياً. فالموقع التعريفي للمشروع يشير إلى أن 80% من أنواع القروش التي تُرصَد في الأسواق الإندونيسية تقع ضمن فئات مهددة أو قريبة من التهديد أو معرضة للخطر. كما يلفت إلى الانهيار الحاد في أعداد القروش والشفانين في العقود الأخيرة، وهي معطيات جعلت الحفاظ على هذه الأنواع أولوية متزايدة لدى الباحثين والمنظمات البيئية.
وفي الوقت نفسه، لا يتجاهل المشروع حقيقة أن بعض المجتمعات دخلت في هذه التجارة عبر أجيال متعاقبة، وأن اللوم وحده لا يغيّر الواقع. لذلك يطرح نموذجاً يعتبر أن الإنسان جزء من الحل، وليس فقط جزءاً من المشكلة.
ماديسون ستيوارت ورؤية تقوم على التعاطف
تصف ماديسون ستيوارت نفسها بأنها نشأت في علاقة مبكرة جداً مع البحر، وارتبط اسمها عالمياً بالدفاع عن القروش عبر الأفلام والمحتوى التوعوي والعمل الميداني. وفي التعريف الرسمي بمؤسسة Project Hiu، تُقدَّم بوصفها غواصة تقنية وصانعة أفلام وناشطة بيئية، كما نالت جوائز منها Peter Benchley Youth Conservation Award وAustralian Geographic Society Young Conservationist of the Year.
الجديد في مقاربتها ليس الدفاع عن القروش فحسب، بل الدفاع أيضاً عن حق المجتمعات الساحلية في فرصة عادلة للانتقال إلى اقتصاد أكثر استدامة. لهذا تبدو تجربتها أقرب إلى قصص «تجارب وإلهام» من كونها مجرد خبر بيئي؛ فهي قصة عن تغيير الصورة النمطية، وعن إعادة اكتشاف البطولة في أماكن لا يتوقعها كثيرون.
ما الذي يمكن أن تتعلمه السياحة العربية من هذه التجربة؟
بالنسبة لقطاع السفر والسياحة في المنطقة، ومن بينها مصر، تبرز قصة Project Hiu كمثال مهم على أن السياحة البيئية ليست رفاهية، بل قد تكون أداة تنموية كاملة. الفكرة الجوهرية هنا أن السائح المعاصر لا يبحث دائماً عن المشهد الجميل فقط، بل عن تجربة ذات معنى: رحلة تضعه في تماس مع المجتمع، وتشرح له كيف يمكن لإنفاقه أن يدعم بديلاً أكثر عدلاً للناس والطبيعة معاً.
كما تطرح التجربة سؤالاً عملياً لوجهات البحر الأحمر وغيرها من المناطق الساحلية: كيف يمكن تصميم أنشطة سياحية تحافظ على التنوع البيولوجي وتخلق في الوقت نفسه وظائف مستقرة للسكان المحليين؟ الإجابة ليست واحدة بالتأكيد، لكن قصة لومبوك تؤكد أن الحلول الأكثر نجاحاً غالباً ما تبدأ من الداخل، أي من إشراك المجتمع نفسه في تصميم البديل.
لماذا تستحق المتابعة؟
- لأنها تجربة قابلة للإلهام: تحويل أدوات الصيد إلى أدوات حماية وسياحة.
- لأنها تربط البيئة بالاقتصاد: لا حماية من دون دخل بديل للمجتمعات المحلية.
- لأنها توسّع معنى السفر المسؤول: الرحلة هنا تترك أثراً يتجاوز المتعة المؤقتة.
- لأنها تعيد صياغة صورة «الخصم»: الصياد السابق قد يصبح أكثر الناس قدرة على حماية البحر.
بين الإلهام والواقع
ليست كل مبادرة بيئية قادرة على تغيير مسار مجتمع كامل، لكن ما يميز «بروجكت هيو» أنه يحاول الجمع بين الإنقاذ البيئي والكرامة الاقتصادية في آن واحد. في زمن تتزايد فيه الضغوط على البحار، من الصيد الجائر إلى تراجع التنوع البيولوجي، تبدو هذه القصص ضرورية لأنها تبرهن أن الحلول لا تأتي دائماً من المواجهة المباشرة، بل أحياناً من بناء بديل مقنع وعملي.
ومن هنا، فإن قصة ماديسون ستيوارت وفرق العمل في لومبوك ليست فقط عن القروش أو عن إندونيسيا، بل عن فكرة أوسع يمكن أن تلهم أي وجهة ساحلية في العالم العربي: حين يجد الإنسان فرصة أفضل، يصبح أكثر استعداداً لحماية المكان الذي يعيش منه.