لماذا تبدو الإسكندرية أوروبية؟ حكاية المدينة الكوزموبوليتانية
الإسكندرية.. مدينة مصرية بروح متوسطية مفتوحة
حين يتحدث زوار الإسكندرية عن شعورٍ يشبه التجول في مدينة أوروبية مطلة على البحر، فالأمر لا يرتبط بالمبالغة بقدر ما يرتبط بطبقات تاريخية حقيقية صنعت شخصية المدينة. الإسكندرية، التي تُعد اليوم ثاني أكبر مدن مصر، احتفظت عبر قرون بملامح كوزموبوليتانية واضحة، جعلتها واحدة من أكثر مدن المنطقة تفرّدًا على مستوى العمران والثقافة والحياة العامة.
هذا الانطباع عاد إلى الواجهة بعد تداول تجربة رحّالة عربية تحدثت عن دهشتها من الطابع الأوروبي الذي يطبع شوارع الإسكندرية وبعض مبانيها. لكن سر المدينة لا يكمن في التشابه الشكلي فقط، بل في تاريخ طويل من التفاعل مع البحر المتوسط، وفي أحياء ومؤسسات ثقافية ما زالت حتى اليوم تشرح لماذا تبدو الإسكندرية مختلفة عن أي مدينة مصرية أخرى.
من أين جاءت الملامح الأوروبية؟
تاريخ الإسكندرية نفسه هو المفتاح الأول للفهم. المدينة التي أسسها الإسكندر الأكبر تحولت لاحقًا إلى مركز حضاري وتجاري بالغ الأهمية على المتوسط، ومع تعاقب العصور اليونانية والرومانية ثم المراحل الحديثة، تشكلت فيها بيئة عمرانية وثقافية متعددة التأثيرات. وتصف منصة Experience Egypt الرسمية الإسكندرية بأنها مدينة ذات تاريخ كوزموبوليتاني وثقافة انتقائية نابضة، وهو توصيف يفسر كثيرًا من ملامحها الحالية.
في أحياء وسط المدينة، خصوصًا حول شارع فؤاد والمنطقة الممتدة إلى المنشية ومحطة الرمل، تظهر واجهات مبانٍ ذات شرفات مزخرفة، ونوافذ طويلة، وتفاصيل معمارية استلهمت مدارس إيطالية وفرنسية ويونانية سادت في شرق المتوسط خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. لهذا يشعر كثير من الزوار بأنهم أمام نسخة مصرية من مدن البحر المتوسط القديمة، لا أمام مدينة شاطئية تقليدية.
شارع فؤاد ووسط البلد
يظل شارع فؤاد واحدًا من أبرز الشواهد على هذه الهوية. الشارع ليس مجرد محور مروري قديم، بل مساحة تحمل ذاكرة الإسكندرية الحديثة، حيث تتجاور مبانٍ تاريخية ومقار ثقافية ومتاحف تعكس كيف عاشت المدينة زمنًا طويلًا بوصفها ملتقى جنسيات وثقافات متعددة.
المتحف اليوناني الروماني.. شاهد مباشر على هوية المدينة
إذا كان هناك مكان واحد يشرح الارتباط التاريخي بين الإسكندرية والعالم المتوسطي، فهو المتحف اليوناني الروماني. ووفقًا لوزارة السياحة والآثار، يُعد المتحف الوحيد في مصر المتخصص بالكامل في آثار وحضارة مصر خلال العصرين اليوناني والروماني، كما أنه من أقدم المباني التي صُممت خصيصًا لحفظ وعرض الآثار في البلاد.
المتحف أعيد افتتاحه في 11 أكتوبر 2023 بعد مشروع ترميم وتطوير، بحضور رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، ليعود إلى خريطة الجذب الثقافي والسياحي في المدينة. وتشير المصادر الرسمية إلى أن سيناريو العرض المتحفي يضم نحو 20 ألف قطعة أثرية تغطي فترات متعددة من تاريخ الإسكندرية ومصر في العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية.
أهمية هذا المتحف لا تقتصر على كونه مقصدًا للزائرين، بل على دوره في تفسير سبب حضور الأثر الأوروبي-المتوسطي داخل الإسكندرية. فالمدينة لم تستعِر ملامحها من الخارج في وقت متأخر، بل كانت جزءًا أصيلًا من هذا المجال الحضاري منذ قرون طويلة.
مكتبة الإسكندرية.. أيقونة حديثة تكمل الحكاية
عند الحديث عن الوجه الثقافي للمدينة، يصعب تجاوز مكتبة الإسكندرية. المكتبة الحديثة، التي تقوم على شاطئ الشاطبي، ليست فقط صرحًا معرفيًا بارزًا، بل علامة معمارية تعزز صورة الإسكندرية كمدينة تنظر إلى العالم من البحر. وتوضح مكتبة الإسكندرية أن رسالتها تقوم على استعادة روح الانفتاح والمعرفة التي ارتبطت بالمكتبة القديمة.
وتحضر المكتبة كذلك كأحد أهم رموز المدينة المعاصرة، بما تضمه من مكتبات متخصصة ومراكز بحثية وفعاليات ثقافية مستمرة. ولهذا فإن صورة الإسكندرية الأوروبية لا تنفصل عن مؤسساتها الثقافية الحديثة، تمامًا كما لا تنفصل عن مبانيها التاريخية. ويمكن لزوار المدينة متابعة أنشطتها عبر مكتبة الإسكندرية على إنستغرام دون الحاجة إلى افتراض صورة نمطية واحدة عن المكان؛ فالإسكندرية هنا مدينة معرفة بقدر ما هي مدينة بحر.
لماذا يشبّهها البعض بمدن أوروبا؟
السبب لا يعود إلى عنصر واحد، بل إلى مزيج واضح من العوامل:
- الواجهة البحرية التي تمنح المدينة إيقاعًا متوسطيًا قريبًا من مدن جنوب أوروبا.
- العمارة التاريخية في أحياء وسط الإسكندرية، بما فيها البلكونات الحديدية والواجهات الكلاسيكية والزخارف الحجرية.
- التاريخ متعدد الثقافات الذي ضم جاليات يونانية وإيطالية وشامية وأرمنية وغيرها عبر فترات مختلفة.
- المتاحف والمؤسسات الثقافية التي تحفظ هذا الإرث وتعيد تقديمه للزوار.
- الموقع التجاري والبحري الذي ربط المدينة منذ نشأتها بحوض البحر المتوسط أكثر من أي فضاء آخر.
لهذا تبدو الإسكندرية لكثيرين وكأنها مدينة مصرية تتكلم بلهجة متوسطية واسعة؛ فيها شيء من أوروبا، لكن هويتها النهائية مصرية بامتياز.
أماكن تعزز هذا الانطباع لدى الزائر
1) الكورنيش
الكورنيش ليس مجرد طريق ساحلي، بل المشهد الذي يختصر علاقة الإسكندرية بالبحر. من هنا تظهر طبقات المدينة: فنادق قديمة، مبانٍ تاريخية، ومقاهٍ تطل على المتوسط في مشهد يفسر سر انجذاب الزوار إليها.
2) مكتبة الإسكندرية
زيارة المكتبة تمنح بعدًا مختلفًا للرحلة، خاصة لمن يريد فهم صورة المدينة الحديثة وكيف واصلت الإسكندرية تقديم نفسها كمنارة ثقافية في مصر والمنطقة.
3) المتحف اليوناني الروماني
هذا المتحف من أهم محطات الزيارة لمن يريد رؤية الجذور التاريخية المباشرة للطابع الذي يصفه البعض بالأوروبي داخل المدينة.
4) متحف الإسكندرية القومي
المتحف مقام داخل قصر شُيد أصلًا على الطراز الإيطالي لأسعد باسيلي باشا، بحسب وزارة السياحة والآثار، وهو مثال إضافي على حضور التأثيرات المعمارية الأوروبية في المدينة الحديثة.
الإسكندرية ليست «أوروبا داخل مصر».. بل تجربة مصرية فريدة
ورغم شيوع هذا الوصف بين الرحالة وصنّاع المحتوى، فإن اختزال الإسكندرية في كونها نسخة من أوروبا يظلم المدينة أكثر مما يشرحها. الإسكندرية ليست تقليدًا لمدينة أخرى، بل هي نتاج تاريخ خاص صنعته مصر على ساحل المتوسط. فيها العمارة الأوروبية، نعم، لكن فيها أيضًا الأسواق الشعبية، والمقاهي السكندرية، والذاكرة الوطنية، والآثار المصرية، والبعد العربي المعاصر.
ربما لهذا السبب تظل الإسكندرية قادرة على مفاجأة الزوار من داخل مصر وخارجها. فهي مدينة تسمح لك أن ترى أكثر من زمن في الشارع نفسه: بقايا عالم هيلينستي، وعمارة القرن التاسع عشر، ومؤسسات ثقافية حديثة، وحياة يومية مصرية لا تخطئها العين.
وبين كل هذه العناصر، يبقى سر الإسكندرية الحقيقي بسيطًا: أنها مدينة عاشت طويلًا على تماس مباشر مع العالم، من دون أن تفقد شخصيتها المصرية. وهذا تحديدًا ما يجعلها، حتى اليوم، واحدة من أكثر وجهات السياحة الداخلية سحرًا وتميزًا في مصر.