متحف لوكاس يفتح أبوابه في لوس أنجلوس بعد انتظار طويل
متحف جديد يراهن على قوة الحكاية بالصورة
بعد سنوات من الانتظار والتأجيلات المتكررة، بات موعد افتتاح متحف لوكاس للفن السردي في لوس أنجلوس مؤكداً: الثلاثاء 22 سبتمبر 2026. المتحف، الذي أسسه المخرج والمنتج الأميركي جورج لوكاس وزوجته سيدة الأعمال ميلودي هوبسون، يقدّم نفسه بوصفه أول مؤسسة من نوعها مكرسة بالكامل لفن السرد البصري؛ أي الطريقة التي تروي بها الصور القصص عبر العصور والثقافات.
الخبر لا يهم جمهور الثقافة في الولايات المتحدة فقط، بل يلفت أيضاً انتباه القراء في مصر والمنطقة العربية، لأن المتحف يطرح سؤالاً قريباً من تراث المنطقة: كيف يمكن للصورة أن تحفظ الذاكرة، وتنقل المعتقدات، وتصوغ الخيال الجمعي؟ من الرسوم الأولى على جدران الكهوف إلى الملصقات والقصص المصورة والسينما، يراهن المشروع على أن الحكاية المصوّرة لغة عالمية يفهمها الجميع.
أين يقع المتحف وما الذي يميّز تصميمه؟
يقع المتحف في إكسبوزيشن بارك في لوس أنجلوس، داخل مجمع ثقافي معروف يضم مؤسسات كبرى مثل متحف التاريخ الطبيعي ومركز كاليفورنيا للعلوم، ما يجعله إضافة نوعية إلى منطقة تشهد بالفعل حركة ثقافية وسياحية نشطة. عنوانه الرسمي هو One Lucas Plaza, Los Angeles, CA 90037.
أكثر ما يجذب الانتباه في المشروع هو شكل المبنى نفسه. التصميم جاء بتوقيع المعماري الصيني الشهير ما يانسونغ من مكتب MAD Architects، بالتعاون مع Stantec، ويبدو المبنى من الخارج وكأنه كتلة عضوية انسيابية أو مركبة فضائية هبطت وسط المساحات الخضراء. هذه المقاربة البصرية ليست تفصيلاً جمالياً فقط، بل جزء من هوية المتحف الذي يريد أن يمنح الزائر شعوراً بالدخول إلى عالم سردي قبل مشاهدة أي قطعة فنية.
وبحسب المعلومات الرسمية، يمتد المبنى على مساحة تقارب 300 ألف قدم مربعة، ويضم أكثر من 100 ألف قدم مربعة من الأعمال الفنية موزعة على أكثر من 30 صالة عرض. كما أن الواجهة الخارجية مكسوّة بأكثر من 1200 لوح منحني من البوليمر المقوى بالألياف الزجاجية، وهي مادة اختيرت لخفتها وقدرتها على تشكيل الخطوط الناعمة التي يميز بها المشروع نفسه.
تمويل ضخم ومشروع شخصي من جورج لوكاس
المتحف ليس مشروعاً حكومياً أو مبادرة تمويل جماعي، بل ثمرة استثمار شخصي ضخم ارتبط باسم جورج لوكاس، مبتكر سلسلة Star Wars. وتقدَّر كلفة المشروع بنحو مليار دولار وفق ما تداولته تغطيات أميركية عدة، فيما تؤكد المؤسسة الرسمية أن المتحف تأسس بجهد مشترك من لوكاس وميلودي هوبسون. ويُعد ذلك من أضخم المشاريع الثقافية الخاصة في الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.
ورغم أن اسم لوكاس سيظل نقطة جذب رئيسية لعشاق السينما الشعبية، فإن المتحف لا يقتصر على إرث حرب النجوم. الفكرة أوسع بكثير: بناء مساحة تتابع تاريخ السرد عبر الصورة من عصور ما قبل التاريخ إلى الفنون الجماهيرية الحديثة، مروراً بالرسم التوضيحي والتصوير الفوتوغرافي والقصص المصورة والأعمال السينمائية.
ويحضر المتحف أيضاً على إنستغرام عبر الحساب الرسمي @lucasmuseum، وهو الحساب الذي استخدمه للترويج لموعد الافتتاح والبرامج التمهيدية الخاصة بالأعضاء والزوار.
ماذا سيشاهد الزائر عند الافتتاح؟
البرنامج الافتتاحي، بحسب البيانات الرسمية، يبدأ بمعرض يستعرض تاريخ الفن السردي من خلال موضوعات مثل الأبطال والأساطير والمقدس. الفكرة هنا ليست عرض أعمال متفرقة فقط، بل بناء سردية تربط بين الحضارات المختلفة وكيف استخدمت الصورة في تشكيل القيم والمجتمعات والمخيال العام.
ومن التفاصيل اللافتة أن المتحف سيعرض أكثر من 1300 عمل ضمن معارضه الافتتاحية، إلى جانب نسخ شديدة الدقة لأعمال ومواقع لا يمكن نقلها من أماكنها الأصلية. وتشير المعلومات المنشورة إلى تعاون مع مؤسسات عالمية بارزة، منها متاحف الفاتيكان واللوفر ومركز ألتميرا الوطني في إسبانيا، إضافة إلى جهات مكسيكية متخصصة في التراث والآثار.
هذا البعد مهم للقارئ العربي والمصري تحديداً، لأن فكرة استحضار الأعمال غير القابلة للنقل عبر تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد والصور عالية الدقة تفتح نقاشاً واسعاً حول مستقبل عرض التراث الإنساني. فبدلاً من الاكتفاء بالمشاهدة التقليدية، يمكن للمؤسسات الثقافية أن توسع الوصول إلى المعرفة من دون المساس بالأصل الأثري أو الفني.
مكتبة، مسارح، وحدائق عامة
لا يقتصر المشروع على قاعات العرض. فالمتحف يضم أيضاً مسرحين حديثين، ومكتبة بحثية مجانية، ومساحات تعليمية واستوديوهات وصفوفاً مخصصة للتعلم والبرامج المجتمعية. كما تحيط به حديقة ومسطحات خضراء على مساحة 13 فداناً صممتها Mia Lehrer/Studio-MLA، وتشمل أكثر من 300 شجرة مزروعة حديثاً، ومدرجاً مفتوحاً، وممرات ومناطق للجلوس والتأمل.
ومن المثير أن هذه المساحة الخضراء حلّت محل موقف سيارات إسفلتي سابق، في خطوة تعكس توجهاً حضرياً متزايداً لتحويل البنى الصلبة إلى فضاءات عامة أكثر إنسانية. هذا النوع من المشاريع يجد صداه أيضاً في مدن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي تحاول التوفيق بين التطوير العمراني والحاجة إلى ساحات عامة وثقافية مفتوحة.
أسعار التذاكر ومواعيد الزيارة
أعلن المتحف أن التذاكر أصبحت متاحة بالفعل قبل الافتتاح الرسمي. ويبلغ سعر تذكرة الدخول العامة للبالغين 25 دولاراً، فيما تبلغ تذكرة كبار السن 21 دولاراً، بينما يحصل الأطفال بعمر 17 عاماً أو أقل على دخول مجاني. كما يوفّر المتحف دخولاً مجانياً للعسكريين في الخدمة وأعضاء المتحف، مع برنامج خاص لسكان الرمز البريدي 90037 في جنوب لوس أنجلوس.
أما ساعات العمل، فتتوزع على النحو التالي:
- الاثنين: من 10 صباحاً إلى 5 مساءً
- الثلاثاء: مغلق
- الأربعاء والخميس: من 10 صباحاً إلى 5 مساءً
- الجمعة: من 10 صباحاً إلى 9 مساءً
- السبت: من 9 صباحاً إلى 9 مساءً
- الأحد: من 9 صباحاً إلى 5 مساءً
وتغلق الحديقة عند الغروب، فيما تفتح المكتبة من الساعة 10 صباحاً حتى قبل إغلاق المتحف بساعة واحدة. كما يضم المكان مطعماً رئيسياً باسم Skywalker Grill ومقهى داخلياً، في إشارة واضحة إلى استثمار رمزية عالم لوكاس السينمائي من دون حصر هوية المؤسسة كلها داخله.
لماذا يهم هذا الافتتاح القارئ في مصر والمنطقة؟
قد يبدو افتتاح متحف جديد في كاليفورنيا خبراً بعيداً جغرافياً، لكنه يحمل دلالة أوسع على مستوى المنطقة. فالمتاحف اليوم لم تعد مجرد مخازن للأعمال الفنية، بل تحولت إلى أدوات للقوة الناعمة، ومراكز جذب سياحي، ومنصات لإعادة تقديم التاريخ والثقافة بلغة بصرية تناسب الأجيال الجديدة.
وبالنسبة للقراء في مصر، حيث يرتبط الإرث الثقافي منذ آلاف السنين بالسرد عبر الجدران والنقوش والرموز، تبدو فكرة متحف مخصص للحكاية المصوّرة قريبة من روح المنطقة، حتى لو جاء تنفيذها في مدينة أميركية. من هنا، يمكن النظر إلى متحف لوكاس بوصفه جزءاً من موجة عالمية تعيد تعريف المتحف المعاصر: أقل جموداً، أكثر تفاعلاً، وأشد ارتباطاً بالصورة باعتبارها وسيلة لفهم العالم.
في النهاية، لا يراهن متحف لوكاس للفن السردي على شهرة جورج لوكاس وحدها، بل على فكرة أكبر: أن الصورة لم تكن يوماً مجرد زينة، بل كانت دائماً أداة للحكي، والتأثير، وصناعة المعنى. ومع افتتاحه في 22 سبتمبر 2026، يبدو أن لوس أنجلوس ستكسب معلماً ثقافياً جديداً قد يتحول سريعاً إلى محطة أساسية على خريطة السياحة الفنية العالمية.