«معازة» بالغردقة: سياحة بيئية تحتفي بتراث البدو
مشروع صحراوي جديد يوسّع خريطة السياحة المستدامة في البحر الأحمر
في وقت تتجه فيه المقاصد السياحية حول العالم إلى تجارب أكثر ارتباطًا بالبيئة والمجتمع المحلي، يبرز قرب الغردقة مشروع «معازة للثقافة والتراث» بوصفه نموذجًا مصريًا يحاول إعادة تقديم الصحراء الشرقية خارج القالب التقليدي لرحلات السفاري السريعة. المشروع يقع في قرية الردة على بعد نحو 18 كيلومترًا من مدينة الغردقة، ويراه القائمون عليه مساحة لدمج التراث البدوي في المنتج السياحي، بدل الاكتفاء بتقديم الصحراء كخلفية للترفيه فقط.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها بالنسبة للقارئ المصري والعربي لأنها تتحرك داخل واحد من أكثر أقاليم السياحة نشاطًا في المنطقة، وهو ساحل البحر الأحمر، حيث تجمع الغردقة بين السياحة الشاطئية والبحرية من جهة، وإمكانات السياحة البيئية والثقافية في الظهير الصحراوي من جهة أخرى. ووفق بيانات الهيئة العامة للاستعلامات، تُعد الغردقة من أبرز المقاصد السياحية الساحلية في مصر، بينما تشير مواد تعريفية رسمية حديثة إلى أن منطقة مكادي وما حولها تظل من المناطق المفضلة للعائلات والرحلات المرتبطة بالأنشطة البحرية والطبيعية.
من رحلات السفاري إلى تجربة ثقافية متكاملة
اللافت في المشروع أنه لا يطرح نفسه كمخيم صحراوي بالمعنى التجاري المعتاد، بل كتجربة قائمة على المعايشة والتفاعل. وبدل الاكتفاء بجولات السيارات أو العشاء البدوي التقليدي، يركز المشروع على تقديم عناصر من الحياة اليومية للمجتمع البدوي، من الحكايات الشفوية إلى الحرف التقليدية وأساليب الضيافة المحلية.
وتربط تقارير منشورة في صحف مصرية بين هذا التوجه وبين السعي إلى إنقاذ أجزاء من التراث غير المادي لقبائل المنطقة من التراجع، وفي مقدمتها قبيلة المعازة المنتشرة في أجزاء من الصحراء الشرقية بين الغردقة والزعفرانة. كما يراهن المشروع على تحويل هذا الموروث من عنصر هامشي في البرامج السياحية إلى أصل اقتصادي وثقافي يشارك فيه السكان أنفسهم بصفة مباشرة.
من يقف وراء التجربة؟
بحسب ما نُشر عن المشروع، يقوده محمود عطية، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Green Planet، بالتعاون مع TUI Care Foundation. المؤسسة الدولية أعلنت في 29 يناير 2026 دعم مبادرة في الغردقة لتمكين مجتمع المعازة البدوي عبر السياحة الثقافية، موضحة أن الفكرة تشمل إنشاء مساحة مخصصة للحرف والتقاليد البدوية، إلى جانب فعاليات ثقافية وتجارب تفاعلية للزوار.
هذه النقطة مهمة لأنها تمنح المشروع بعدًا يتجاوز الترويج المحلي؛ فالدعم الدولي هنا ليس موجهًا لبناء منشأة فندقية جديدة، بل لتطوير منتج سياحي مجتمعي يربط بين حفظ التراث، وتوليد الدخل، وتقديم تجربة أصلية للزائرين، وهي معادلة تسعى إليها وجهات عديدة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
تمكين الشباب والسيدات في قلب الفكرة
من أكثر الأرقام اللافتة في المشروع ما يتعلق ببناء القدرات داخل المجتمع المحلي. فالمعلومات المنشورة عنه تشير إلى استهداف تدريب 100 شاب من أبناء القبيلة في مجالات الضيافة والاستقبال والإرشاد السياحي والسرد القصصي، بما يسمح لهم بأن يكونوا رواة التجربة وممثليها الحقيقيين أمام الزوار.
كذلك يستهدف المشروع تدريب 80 سيدة على الحرف المرتبطة بسعف النخيل والجلود والنسيج والتطريز اليدوي، مع تخصيص مساحة لعرض المنتجات وتسويقها. وهذا البعد ليس تفصيلاً ثانويًا؛ فالسياحة البيئية الناجحة لا تقاس فقط بجمال المكان، بل أيضًا بمدى استفادة المجتمع من العائد الاقتصادي، وخصوصًا النساء والشباب.
- تدريب الشباب على الإرشاد والضيافة والسرد الثقافي.
- دعم السيدات عبر تطوير الحرف اليدوية التقليدية.
- خلق دخل محلي من بيع المنتجات والخدمات المرتبطة بالزيارة.
- إبراز التراث غير المادي مثل القصص والموسيقى وأساليب المعيشة.
بناء منخفض الأثر وسط الصحراء
الجانب البيئي في المشروع لا يتوقف عند الشعار، بل يرتبط أيضًا بطريقة التشييد. فالمواد المستخدمة، وفق التصريحات المنشورة، تشمل خامات محلية مثل جريد وسعف النخيل وأخشاب الجزورين والحصير والأحجار الطبيعية، في محاولة للحفاظ على الطابع البدوي وتقليل الأثر البيئي للبناء.
وهذا ينسجم مع التوجه الأوسع في الغردقة، حيث تعمل الجهات المعنية في مصر على تعزيز الاستدامة البيئية في المدينة. وتوضح وثائق ومتابعات رسمية أن مشروع «الغردقة مدينة خضراء» يُنفذ بالتعاون بين وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية الصناعية UNIDO، بهدف تقليل الضغط البيئي الناتج عن القطاع السياحي ودعم ممارسات أكثر استدامة في السياحة والطاقة والنقل.
لماذا يهم هذا النموذج مصر والمنطقة؟
في مصر، ارتبطت صورة البحر الأحمر لسنوات طويلة بالشواطئ والغوص والمنتجعات. لكن المنافسة الإقليمية اليوم تتطلب تنويعًا أكبر في المنتج السياحي، خصوصًا مع صعود الطلب على التجارب الأصيلة والمرتبطة بالهوية المحلية. من هنا، تبدو مشروعات مثل «معازة» محاولة لإضافة طبقة جديدة إلى عرض الغردقة السياحي: سياحة صحراوية ثقافية لا تنافس البحر، بل تكمله.
كما أن هذا النموذج يحمل دلالة أوسع داخل قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لأن كثيرًا من بلدان المنطقة تواجه التحدي نفسه: كيف يمكن استثمار التراث المحلي دون استنزافه؟ وكيف يمكن أن تتحول المجتمعات الأصلية من عنصر للعرض إلى شريك في القرار والعائد؟
التجربة المصرية هنا تقترب من مفاهيم السياحة المجتمعية المنتشرة في عدة أسواق إقليمية، لكنها تستند إلى خصوصية واضحة: قبائل الصحراء الشرقية، القرب من واحد من أهم مراكز الغوص في المنطقة، ووجود طلب أوروبي متزايد على الأنشطة التي تجمع بين الثقافة والطبيعة.
مهرجان ثقافي مرتقب وتوسع في التسويق
البيانات المنشورة عن المشروع تشير أيضًا إلى خطة لإطلاق مهرجان المعازة الثقافي كفعالية سنوية، إلى جانب التوسع في تسويق التجربة داخل الأسواق الأوروبية، خاصة بين السائحين الباحثين عن بدائل للبرامج التقليدية. كما أعلنت TUI Care Foundation أن المبادرة تشمل فعاليات ثقافية وعروضًا حية وورشًا وتجارب رصد للنجوم، فضلًا عن تدريب 20 من مشغلي السفاري على ممارسات قيادة مستدامة خارج الطرق التقليدية بالتعاون مع Red Sea Safari Association.
هذه الإضافة مهمة لأن حماية البيئة الصحراوية لا تنفصل عن تنظيم النشاط السياحي نفسه، خصوصًا في المناطق الهشة بيئيًا. فالسياحة البيئية الناجحة ليست مجرد ديكور طبيعي، بل إدارة دقيقة للحركة والموارد والعلاقة بين الزائر والمكان.
هل تعيد هذه التجربة تعريف السياحة البيئية في الغردقة؟
الإجابة الأقرب حتى الآن هي أن المشروع يقدم اتجاهًا واعدًا أكثر من كونه صيغة نهائية مكتملة. قوته الحقيقية تكمن في الجمع بين ثلاثة عناصر نادرًا ما تجتمع بالقدر نفسه: الهوية البدوية، الاستدامة البيئية، والتمكين الاقتصادي للمجتمع المحلي. وإذا نجحت التجربة في الحفاظ على هذا التوازن، فقد تصبح نموذجًا قابلًا للتكرار في وجهات أخرى داخل مصر والمنطقة.
وبالنسبة للغردقة، فإن الرهان لم يعد فقط على البحر والشعاب المرجانية، بل أيضًا على ما يمكن أن تحكيه الصحراء نفسها. وهنا تحديدًا، تتحول السياحة من مشاهدة عابرة إلى معرفة أعمق بالمكان وأهله، وهو ما يمنح المقصد قيمة أكبر لدى الزائر، وعائدًا أعدل لمن يعيشون فيه.