YallaTravel

مهرجان الصرندي في جربة: كيف تصنع أجيم سياحة الجذور؟

أجيم تعيد تقديم نفسها عبر مهرجان يراهن على الذاكرة الحية

في وقت تتجه فيه وجهات سياحية كثيرة إلى الفعاليات السريعة ذات الأثر المؤقت، اختارت أجيم في جنوب غرب جزيرة جربة أن تبني حضورها الصيفي بطريقة مختلفة: عبر استدعاء الذاكرة المحلية وتحويلها إلى تجربة قابلة للعيش والمشاهدة والمشاركة. هذا هو الرهان الذي تحمله الدورة السادسة من المهرجان الثقافي والسياحي والرياضي بالصرندي، التي انطلقت في يوليو 2026 تحت شعار "الصرندي تجمعنا"، مقدمة برنامجًا يمزج بين الفنون الشعبية، والأنشطة الرياضية، والحرف التقليدية، وعناصر من العادات الجربية المتوارثة.

وبحسب ما نشرته وسائل إعلام تونسية محلية، تواصلت فعاليات هذه الدورة حتى 19 يوليو 2026، وافتُتحت بكرنفال وعروض تنشيطية شاركت فيها فرق استعراضية وكشفية وعناصر من الفنون الشعبية، وسط حضور جماهيري لافت رغم حرارة الصيف. كما نُسب إلى رؤوف بن تمنصورت، مدير الدورة، تأكيده أن المهرجان يسعى إلى خلق ديناميكية محلية مستدامة في المنطقة، لا مجرد تنظيم سهرات موسمية عابرة. كذلك أشرف على الافتتاح والي مدنين وليد الطبوبي، في إشارة إلى الأهمية التي باتت تحظى بها التظاهرة على المستوى المحلي.

من فعالية محلية إلى عنوان للانتماء

اللافت في مهرجان الصرندي أنه لا يكتفي بتقديم فقرات فنية منفصلة، بل يشتغل على فكرة أوسع: إعادة ربط أبناء المكان بملامح هويتهم، وفي الوقت نفسه تعريف الزائر بما يجعل أجيم مختلفة عن صور السياحة الشاطئية المعتادة. هذا النوع من الفعاليات يكتسب قيمة أكبر في جربة تحديدًا، بعدما أدرجت اليونسكو في عام 2023 موقع "جربة: شاهد على نمط استيطان في إقليم جزيري" على قائمة التراث العالمي، اعترافًا بخصوصية العمران والذاكرة الاجتماعية وأساليب التكيّف التاريخية في الجزيرة.

بالنسبة للقارئ المصري، يمكن تشبيه هذا التوجه بما يحدث حين تستعيد المدن التاريخية في مصر روحها من خلال الموالد والاحتفالات والحرف والأسواق القديمة، لا عبر المنتجعات فقط. فالقيمة هنا ليست في المشاهدة من بعيد، بل في معايشة تفاصيل المكان: الأزياء، الموسيقى، الأكلات، الحكايات، والطقوس الاجتماعية التي تعطي الوجهة شخصيتها الحقيقية.

ماذا يتضمن برنامج الصرندي؟

المعطيات المتاحة عن النسخة الحالية تشير إلى أن المهرجان حافظ على طابعه المركب، بحيث يجمع بين الثقافة والسياحة والرياضة في برنامج واحد. ومن أبرز العناصر التي جرى التحقق منها:

  • كرنفال افتتاحي بمشاركة فرق شعبية وكشفية وعروض ميدانية.
  • معرض للصناعات التقليدية والحرف يفتح مساحة للتعريف بمنتجات المنطقة وتسويقها.
  • فقرات مخصصة للعادات والتقاليد الجربية، بما في ذلك عروض تتصل باللباس التقليدي.
  • أنشطة رياضية وألعاب فكرية وبرامج موجهة للعائلات والأطفال.
  • سهرات وأنشطة شبابية تعزز الطابع الاجتماعي للمهرجان.

هذا التنوع مهم لأنه يوسّع جمهور الحدث: فهناك ما يجذب الأسر، وما يستهوي محبي التراث، وما يمنح الشباب سببًا للمشاركة، وما يخلق فرصة اقتصادية للحرفيين وأصحاب المنتجات المحلية.

أجيم: بوابة هادئة إلى جربة الأخرى

تُعرف أجيم بأنها من أهم مرافئ جربة وأقرب نقاط الجزيرة إلى البر التونسي عبر خط الجرف-أجيم البحري، كما أنها تقع على بعد نحو 20 كيلومترًا من حومة السوق. لكن ما يمنحها خصوصيتها في السياحة الثقافية ليس موقعها فقط، بل احتفاظها بصورة أقل استهلاكًا سياحيًا من مناطق أخرى في الجزيرة. هنا تبدو الحياة المحلية أكثر وضوحًا: ملامح الميناء، حضور الصيد، الحرف، والارتباط اليومي بالموروث الاجتماعي.

وتظهر هذه الخصوصية أيضًا في الصورة الأوسع التي تقدمها جربة عن نفسها. فوزارة السياحة التونسية ومؤسساتها الترويجية تضع جربة-جرجيس ضمن أهم الأقاليم السياحية في البلاد، بينما يمنحها تصنيف اليونسكو بعدًا إضافيًا يتجاوز البحر والفنادق إلى التراث المادي وغير المادي. من هنا يمكن فهم لماذا يكتسب مهرجان محلي مثل الصرندي قيمة أكبر من حجمه التنظيمي الظاهر: إنه يعمل داخل جزيرة باتت عالميًا تحت المجهر الثقافي، لا السياحي فقط.

سياحة الجذور بدل الاستهلاك السريع

أهم ما يميز هذه التظاهرة أنها تندرج ضمن ما يمكن تسميته سياحة الجذور، أي الرحلات التي يبحث فيها الزائر عن أصل الحكاية لا عن سطحها. فالزائر لا يذهب فقط لحضور عرض أو التقاط صورة، بل لاكتشاف كيف تعيش المجتمعات المحلية ذاكرتها في الحاضر. في حالة الصرندي، يتحقق ذلك عبر إبراز الموروث الجربي في تفاصيل صغيرة لكنها مؤثرة: اللباس التقليدي، الأكلات الشعبية، المشغولات، والأجواء الجماعية التي تعيد تعريف الصيف باعتباره موسم لقاء بين أهل المكان وزواره.

هذا المسار له أهمية اقتصادية كذلك. فالمهرجانات الصغيرة والمتوسطة في المدن والأحياء الطرفية كثيرًا ما تكون أكثر فاعلية في توزيع الحركة السياحية على مناطق متعددة، بدل تركّزها في بقع محددة. كما أنها تمنح الحرفيين والمبدعين المحليين مساحة ظهور لا توفرها المسارات السياحية التقليدية بسهولة.

لماذا يهم الخبر القارئ المصري؟

لأن السوق المصري بات أكثر اهتمامًا بالسفر القصير القريب إلى وجهات عربية متوسطية تقدم تجارب ثقافية أصيلة بأسعار وحساسية اجتماعية مألوفة نسبيًا. وتونس، وجربة خصوصًا، تملك قابلية كبيرة لهذا النوع من الرحلات، خاصة لمن يبحث عن مزيج من البحر والتراث والفعاليات المحلية. وإذا كانت بعض الوجهات تُسوّق نفسها عبر الفنادق والمنتجعات فقط، فإن أجيم تقدم زاوية مختلفة: جزءًا من تونس يمكن قراءته من خلال ناسه وطقوسه وحرفته.

من هنا يبدو مهرجان الصرندي أكثر من خبر محلي؛ إنه مثال على كيف يمكن لبلدة جزيرية أن تستثمر في شخصيتها الثقافية بدل أن تذوب داخل صورة سياحية عامة. والأهم أن هذه المقاربة تتماشى مع التحولات العالمية في السفر، حيث يفضّل كثير من الزوار اليوم الخبرات المرتبطة بالمجتمع المحلي، والمنتج اليدوي، والفعاليات التي تمنح معنى للمكان.

ما الذي يجعل الصرندي تجربة ملهمة؟

  • التركيز على الهوية المحلية بدل الاستعراض المنفصل عن المكان.
  • دمج الثقافة بالسياحة والرياضة في صيغة مناسبة للعائلات.
  • إعطاء مساحة للحرفيين والمنتجات التقليدية.
  • الاستفادة من الزخم الذي اكتسبته جربة بعد إدراجها على قائمة التراث العالمي.
  • تحويل قرية أو منطقة محلية إلى نقطة جذب عبر الفكرة لا عبر الإنفاق الضخم وحده.

في النهاية، لا يقدّم مهرجان الصرندي وعدًا بفرجة صيفية فقط، بل يقدّم نموذجًا عربيًا جديرًا بالالتفات: أن تصبح العودة إلى الجذور نفسها تجربة سفر. وفي جزيرة مثل جربة، التي تحمل تاريخًا طويلًا من التعدد والتكيّف والذاكرة البحرية، تبدو أجيم قادرة على تحويل هذا الوعد إلى واقع يلمسه الزائر في الشارع والساحة والمعرض والأنغام اليومية. ولهذا تحديدًا، يستحق الصرندي أن يُقرأ بوصفه تجربة إلهام سياحي، لا مجرد مناسبة موسمية.