يوم تراثي في رشيد بعد انطلاق «شارع الفن»
رشيد في توقيت مثالي للزيارة
دخلت مدينة رشيد في محافظة البحيرة موسمًا مختلفًا من الحركة الثقافية مع انطلاق فعالية «شارع الفن» في ساحة الأماصيلي الأثرية يوم 19 سبتمبر 2026، بالتزامن مع احتفالات العيد القومي للمحافظة. وبحسب التغطيات المحلية، شهدت المدينة في اليوم نفسه استقبال فوج سياحي ضم نحو 50 سائحًا، بينما تفقدت الدكتورة جاكلين عازر محافظ البحيرة فعاليات الشارع الفني والعروض التي استلهمت تراث رشيد وهويتها البصرية، في مشهد يوضح كيف تحاول المدينة تقديم نفسها كوجهة تجمع بين التاريخ والحياة اليومية والاحتفال.
ولأن العيد القومي للبحيرة يرتبط بذكرى 19 سبتمبر، تخليدًا لانتصار أهالي رشيد على الحملة الإنجليزية عام 1807، فإن زيارة المدينة في هذا التوقيت لا تعني مشاهدة آثار فقط، بل دخول مدينة تعيش ذاكرتها الوطنية في الشارع نفسه: على الكورنيش، وفي الساحات، وبين البيوت الأثرية والمساجد القديمة.
لماذا الآن؟ ما الذي تغيّر بعد «شارع الفن»؟
الجديد في رشيد هذا الأسبوع ليس مجرد فعالية فنية عابرة، بل توظيف مباشر للفراغات التاريخية في المدينة كمساحة مفتوحة للعرض والتفاعل. برنامج الاحتفال الذي أعلنته المحافظة شمل إيقاد شعلة بدء الفعاليات، وماراثونًا للمشي على كورنيش رشيد، إلى جانب متابعة أعمال تطوير مدينة رشيد التاريخية ثم تفقد فعالية «شارع الفن» في ساحة الأماصيلي. هذا الربط بين التطوير العمراني والأنشطة الثقافية يمنح الزائر فرصة نادرة لرؤية المدينة وهي تُقدَّم كمنتج تراثي حي، لا كمجموعة مبانٍ صامتة.
إذا كنت تخطط لزيارة قصيرة من داخل البحيرة أو من الإسكندرية أو القاهرة، فالأفضل أن تبني اليوم حول القلب التاريخي لرشيد، ثم تترك مساحة للمشي الهادئ على النيل والانخراط في الأجواء الاحتفالية إذا استمرت الفعاليات أو العروض في محيط الساحة.
برنامج مقترح ليوم تراثي كامل في رشيد
1) بداية صباحية من قلعة قايتباي برشيد
ابدأ اليوم مبكرًا من قلعة قايتباي برشيد، لأنها تمنحك المفتاح التاريخي الأوضح لفهم المدينة. ووفق دليل وزارة السياحة والآثار، تقع القلعة على الشاطئ الغربي لفرع رشيد على بُعد نحو 6 كيلومترات شمال المدينة، وقد أنشأها السلطان المملوكي قايتباي عام 886هـ/1482م. وتشير الوزارة أيضًا إلى أن القائد الفرنسي بوشار عثر في القلعة في أغسطس 1799 على الحجر الذي عُرف لاحقًا باسم حجر رشيد.
مواعيد الزيارة المعلنة عبر وزارة السياحة والآثار من 8:30 صباحًا إلى 4:00 مساءً، مع التنبيه إلى أن آخر موعد للدخول قبل الإغلاق بساعة. لذلك فالفترة الصباحية هي الأنسب، خصوصًا إذا كنت تريد ضوءًا أفضل للتصوير وهواءً أخف قبل زحام الظهيرة.
2) العودة إلى المدينة التاريخية والتمشية بين البيوت الأثرية
بعد القلعة، عد إلى قلب رشيد القديمة، حيث تكمن فرادة المدينة في نسيجها العمراني نفسه. ووفق الهيئة العامة للاستعلامات، تضم رشيد 22 منزلًا أثريًا و10 مساجد إلى جانب حمام وطاحونة وبوابة وقلعة وبقايا سور قديم، ما يجعلها من أغنى المدن المصرية في العمارة الإسلامية بعد القاهرة.
هنا تحديدًا تصبح ساحة الأماصيلي نقطة مناسبة للبدء. فعالية «شارع الفن» انطلقت فيها، وهي ليست ساحة عادية، بل بوابة عملية لاكتشاف عمارة رشيد العثمانية بما تحمله من مشربيات وخشب وأفنية وتفاصيل حجرية وطوبية مميزة. وحتى إذا ذهبت بعد انتهاء عرض بعينه، ستظل قيمة المكان كبيرة لأنه يضعك وسط المشهد الذي اختارته المحافظة ليكون واجهة الاحتفال.
3) التوقف عند منزل الأماصيلي
إذا كان عليك اختيار بيت أثري واحد ليكون محور الصور والمشاهدة الهادئة، فليكن منزل الأماصيلي. حضوره في الفعالية الحالية مهم لأن «شارع الفن» أقيم في ساحة تحمل اسمه، كما أن المنزل نفسه يُعد من أبرز بيوت رشيد التاريخية في الوعي المحلي. الزيارة هنا مناسبة لمن يحب التفاصيل: المشربيات، الأبواب الخشبية، التكوين الداخلي، والإحساس بأن البيت كان جزءًا من مدينة سكنية حقيقية لا مجرد مبنى معروض.
والأفضل أن تتعامل مع المنطقة المحيطة بمنطق المشي البطيء لا الزيارة السريعة؛ لأن متعة رشيد الأساسية ليست في “تيك لست” للمعالم، بل في الانتقال بين الشوارع الضيقة ورؤية كيف تتجاور البيوت الأثرية مع الحياة اليومية الحالية.
4) مسجد زغلول: محطة لا تُفوت في سردية المدينة
من أبرز محطات اليوم أيضًا مسجد زغلول. ووفق وزارة السياحة والآثار، يقع المسجد في شارع زغلول، رشيد، ويتكوّن من جزأين شرقي وغربي، وبُني على ثلاث مراحل. المرحلة الثانية ترجع إلى 956هـ/1549م وتنسب إلى الحاج علي زغلول، بينما تنسب المرحلة الثالثة إلى الحاج محيي الدين عبد القادر الذي شيد القسم الشرقي للمسجد وأقام المئذنة الشرقية ودكة المبلغ.
هذه المحطة مهمة ليس فقط لقيمة المسجد المعمارية، بل لأنه جزء من الذاكرة الوطنية لرشيد، في مدينة يرتبط عيد محافظتها القومي أصلًا ببطولة أهلها. لذلك فإن المرور على المسجد يضيف بُعدًا تاريخيًا واضحًا لليوم، خاصة لمن يزور رشيد للمرة الأولى ويريد فهم لماذا تتمتع المدينة بهذه المكانة في الوجدان المحلي.
5) استراحة على كورنيش رشيد
بعد الجولة الأثرية، خصص وقتًا للجلوس أو المشي على كورنيش رشيد. وليس صدفة أن برنامج احتفالات المحافظة هذا العام وضع عليه ماراثون المشي؛ فالكورنيش يمثل المساحة الأهدأ لالتقاط أنفاسك بعد كثافة التفاصيل المعمارية في الداخل. كما أنه يمنحك زاوية مختلفة لرؤية المدينة: ليس فقط كأزقة وواجهات قديمة، بل كمدينة نهرية تشكّلها المياه والحركة والضوء.
كيف ترتب يومك عمليًا؟
- ابدأ مبكرًا: القلعة أولًا، لأن مواعيدها الرسمية تنتهي عند الرابعة عصرًا.
- خصص منتصف اليوم للمدينة القديمة: ساحة الأماصيلي ومنطقة البيوت الأثرية هي الأفضل للمشي الهادئ والتصوير.
- اترك فترة العصر للمسجد والكورنيش: الضوء يكون ألطف، والمدينة تميل إلى إيقاع أكثر راحة.
- تابع الأجواء في محيط الفعاليات: إذا استمرت عروض «شارع الفن» أو الفقرات المصاحبة، فالساحة ستكون أفضل مكان لالتقاط نبض الاحتفال.
ما الذي يميز رشيد عن رحلة يوم واحد عادية؟
الميزة الحقيقية هنا أن رشيد لا تقدم لزائرها معلمًا منفردًا فقط، بل سردية مدينة كاملة. في يوم واحد يمكنك أن تمر من قلعة ارتبطت باكتشاف حجر رشيد، إلى مسجد متعدد المراحل العمرانية، إلى بيوت عثمانية الطراز، ثم إلى فعالية فنية معاصرة تستخدم الفضاء التاريخي نفسه. هذا التداخل بين الأثر والشارع والاحتفال هو ما يجعل الزيارة الآن ذات قيمة خاصة.
وبالنسبة للقارئ المصري، وخصوصًا من يبحث عن فسحة ثقافية داخل مصر لا تعتمد على الشاطئ وحده ولا على التسوق وحده، فإن رشيد تبدو من أنسب الوجهات القصيرة هذا الموسم؛ مدينة يمكن أن تزورها في يوم، لكن تفاصيلها كافية لتجعلك تفكر في العودة مرة أخرى بوتيرة أهدأ.
الخلاصة: أفضل طريقة لاكتشاف رشيد الآن
بعد انطلاق «شارع الفن» تزامنًا مع العيد القومي للبحيرة، أصبحت رشيد أكثر من مجرد مدينة تاريخية على الخريطة. إنها وجهة يمكن أن تبدأها من قلعة قايتباي، وتكملها بين ساحة الأماصيلي ومنزل الأماصيلي ومسجد زغلول، ثم تنهيها على كورنيش رشيد وسط أجواء تحمل شيئًا من الفرح المحلي وشيئًا من هيبة الذاكرة. وإذا أردت أفضل نسخة من هذه الزيارة، فتعامل مع المدينة كمتحف مفتوح للمشي والاكتشاف، لا كمحطات سريعة فقط.