YallaTravel

يوم في القاهرة القديمة بعيون مريم علاء

جولة تستعيد ملامح القاهرة التي لا تغيب

عادت صانعة المحتوى المصرية مريم علاء لتلفت الانتباه إلى وجه آخر من القاهرة، عبر تجربة بصرية وسردية تقوم على قضاء يوم كامل وسط أماكن تاريخية ما زالت محتفظة بجزء كبير من روحها القديمة. الفكرة في جوهرها بسيطة: كيف يمكن أن يعيش الزائر أجواء العاصمة كما لو كان يعود عقودًا إلى الوراء، من دون ديكور مصطنع أو رحلة خارج المدينة؟ لكن ما منح التجربة زخمًا أكبر هو ارتباطها بوسط البلد والقاهرة الخديوية، وهما من أكثر مناطق العاصمة قدرة على الاحتفاظ بذاكرة المكان رغم التحولات المتسارعة التي شهدتها المدينة.

وبحسب ما نُشر عن مريم علاء في تغطيات صحفية مصرية حديثة، فإنها عُرفت باهتمامها بالرحلات الاستكشافية داخل مصر، وقد تحدثت في لقاء تلفزيوني عن مشروعها الذي يقوم على اكتشاف أماكن غير معتادة وإعادة تقديمها للجمهور بصورة مختلفة، تحت عنوان "اللي يتوه ياما يشوف". هذا التوجه ينسجم مع رواج متزايد لمحتوى السياحة الداخلية الذي يركز على التفاصيل اليومية والهوية المحلية بدلًا من الاكتفاء بالمزارات الأشهر فقط.

لماذا تبدو القاهرة الخديوية كأنها آلة زمن؟

السر لا يتعلق فقط بعمر المباني، بل بطبيعة النسيج العمراني نفسه. فوزارة السياحة والآثار تشير إلى أن القاهرة الخديوية تشكلت في إطار مشروع تحديث كبير قاده الخديوي إسماعيل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، مستلهمًا نموذج باريس الحديثة، وهو ما يفسر اتساع الشوارع وتناسق الواجهات والطابع الأوروبي الظاهر في كثير من المباني. كما تؤكد الجهات الرسمية المصرية استمرار أعمال إحياء المنطقة للحفاظ على شخصيتها المعمارية واستعادة رونقها الحضاري.

وبالنسبة للقارئ المصري، فالمسألة هنا ليست حنينًا مجردًا إلى الماضي، بل إعادة اكتشاف قلب العاصمة باعتباره مساحة قابلة للزيارة والمشي والتأمل والتصوير. لهذا تبدو تجربة "العودة 70 عامًا إلى الوراء" أقرب إلى قراءة جديدة لوسط البلد، حيث لا تزال شرفات المباني القديمة، والممرات التجارية، والمقاهي التاريخية، ولافتات بعض المحال العريقة، تمنح المكان إحساسًا متصلًا بزمن آخر.

محطات لا تزال تحتفظ بذاكرة المدينة

كافيه ريش.. عنوان ثقافي وسياسي عمره أكثر من قرن

إذا كان لا بد من اختيار مكان واحد يلخص فكرة الزمن المتراكم في وسط القاهرة، فسيكون كافيه ريش. بوابة محافظة القاهرة توثق أن المقهى قائم منذ عام 1908 في شارع طلعت حرب، وأنه لعب دورًا ثقافيًا وسياسيًا وفنيًا بارزًا على مدى أكثر من مئة عام، واستضاف أسماء كبيرة من بينها طه حسين والعقاد ونجيب محفوظ وأم كلثوم. كما شددت محافظة القاهرة في بيانات حديثة على الحفاظ على المكان ضمن تراث وسط البلد وعدم المساس بهويته التاريخية خلال أعمال التطوير الجارية.

وجود مقهى مثل ريش في أي جولة تستهدف استحضار القاهرة القديمة ليس تفصيلًا عابرًا؛ فهو من الأماكن التي ما زالت تمنح الزائر شعورًا بأن المدينة تحتفظ بطبقاتها الثقافية لا المعمارية فقط. ولهذا أصبح المقهى جزءًا شبه ثابت في سرديات اكتشاف وسط البلد، سواء عند المهتمين بالتاريخ أو صناع المحتوى أو الزوار الباحثين عن صورة مختلفة للعاصمة.

جروبي.. واحدة من العلامات الأقدم في وسط البلد

ومن العلامات الأخرى التي ترتبط بقوة بصورة القاهرة الكلاسيكية جروبي في ميدان طلعت حرب. وتوضح محافظة القاهرة أن المكان أسسه السويسري جاكومو جروبي بعد قدومه إلى مصر في ثمانينيات القرن التاسع عشر، قبل أن يتحول لاحقًا إلى أحد أشهر وأعرق الأسماء في القاهرة الخديوية. وفي سياق متصل، تدرج المحافظة جروبي وريش ضمن العلامات التاريخية التي يجري الحفاظ عليها بالتوازي مع تطوير المنطقة.

وهنا تبرز قيمة مثل هذه الأماكن في المحتوى السياحي المحلي؛ فالقضية ليست مجرد تناول حلوى أو شرب قهوة، بل معايشة مكان عاش تحولات المدينة واحتفظ بحضوره في الذاكرة الجمعية للمصريين.

سينما راديو وواجهات وسط البلد

ولا تكتمل صورة القاهرة القديمة من دون المرور على دور العرض والمباني ذات الطابع الفني. وتوضح منصة Cairo Urban Initiatives Platform أن سينما راديو تُعد من أكثر مباني وسط القاهرة شهرة، وأنها تمثل جانبًا مهمًا من ماضي المنطقة الكوزموبوليتاني وحاضرها. مثل هذه المباني لا تعمل فقط كخلفية تصوير جذابة، بل كوثائق عمرانية مفتوحة تفسر لماذا يشعر كثيرون بأن التجول في هذه الشوارع يشبه العبور بين حقب مختلفة من تاريخ العاصمة.

سياحة محلية تنمو عبر الحكاية لا عبر القوائم التقليدية

ما فعلته مريم علاء لا ينفصل عن تحول أكبر في طريقة تقديم القاهرة على المنصات الرقمية. فبدلًا من الاكتفاء بأشهر المزارات المعروفة عالميًا، يتزايد الاهتمام الآن بأحياء المدينة القديمة، وتجارب المشي، والمقاهي التراثية، والعمارة، والقصص الإنسانية المرتبطة بالمكان. هذا النوع من السرد يلقى صدى واسعًا لدى المصريين أنفسهم، لأنه يعيد تعريف السياحة الداخلية باعتبارها خبرة معيشة وليست برنامجًا جامدًا.

كما أن الاهتمام الرسمي المتواصل بإحياء القاهرة الخديوية يمنح هذا الاتجاه دفعة إضافية. فالمشروع، وفق البيانات الرسمية، يستهدف الحفاظ على الواجهات المميزة، وإزالة التشوهات البصرية، واستعادة الطابع الحضاري للمنطقة، بما يعزز قيمتها الثقافية والسياحية معًا. وبعبارة أخرى، فإن المحتوى الذي يصنعه أفراد مثل مريم علاء يلتقي هنا مع مشروع أوسع لإعادة تقديم وسط القاهرة للأجيال الجديدة.

لماذا تهم هذه التجربة القارئ المصري الآن؟

لأنها تذكرنا بأن القاهرة ليست فقط مدينة مزدحمة تُعاش على عجل، بل مدينة يمكن قراءتها ببطء. وبينما يبحث كثيرون عن أفكار جديدة للخروج أو التصوير أو قضاء يوم مختلف داخل العاصمة، تقدم مثل هذه الجولات نموذجًا عمليًا وسهل التكرار: السير في شوارع طلعت حرب وعماد الدين وعدلي، التوقف أمام واجهات المباني القديمة، الجلوس في مقهى تاريخي، وملاحظة كيف تظل بعض التفاصيل صامدة أمام الزمن.

  • للمهتمين بالتصوير: وسط البلد من أكثر مناطق القاهرة ثراءً في الخلفيات المعمارية.
  • لعشاق التاريخ: كل مبنى تقريبًا يحمل قصة مرتبطة بالفن أو السياسة أو الحياة الاجتماعية.
  • للباحثين عن خروجة مختلفة: التجربة لا تحتاج إلى سفر بعيد أو ميزانية كبيرة بقدر ما تحتاج إلى عين ترى التفاصيل.

في النهاية، قوة هذه الحكاية لا تأتي من الادعاء بأن الزمن عاد فعلًا، بل من قدرة القاهرة على الاحتفاظ بأثره. وهذا تحديدًا ما جعل تجربة مريم علاء أقرب إلى دعوة مفتوحة لإعادة اكتشاف العاصمة من الداخل: لا كمدينة نمر بها كل يوم، بل كأرشيف حي يمكن أن يفاجئنا في كل مرة ننظر إليه بفضول جديد.